Beirut – Forgotten Hayy as-Sallum

(as-Safir, October 8, 2010)

لم تعد الكتابة عن حيّ السلّم، ربما، تهدف إلى لفت الأنظار إلى أحواله علّ المسؤولين عن الرقاب والعباد ينصفون أهله البالغ عددهم نحو مئتي ألف نسمة يتوزعون على ثلاثة كيلومترات مربعة، أو يسعون لتحسين أوضاعهم، ولو بالحدّ الأدنى. هو «بؤرة» أخرى من بؤر الفقر والإهمال والاكتظاظ الممتدة على مساحة الوطن من أقصاه إلى أقصاه. ليس حالة خاصة. الفارق الوحيد يمكن أن يكون قُرب الحي من العاصمة، ما يجعله تحت الضوء أكثر من سواه من المناطق المتروكة، والتي لا تقع في حسابات أي من المتخاصمين على تقاسم ما بقي في البلاد من غنائم.

أحياء برمتها «سائبة»، تعيش على وقع حاجات أبنائها وأمزجتهم وقدراتهم. أحياء ينظّم أبناؤها الحياة فيها بالحدّ الأدنى، وبما تيسرّ، في انتظار الفرصة الأولى للهجرة، أو، في أسوأ الأحوال، للمغادرة إلى أحياء أخرى، وهو احتمال شبه منعدم في ظلّ الحلقة المفرغة المحكمة من حول أعناقهم: هنا، في حيّ السلّم و«أخواته» من أحياء الغبن، لا تعليم، ولا عمل، ولا مياه نظيفة، ولا كهرباء، لا شرطة، لا مستشفى. لا شيء تقدّمه الدولة إلى سكان الحيّ البالغ عددهم مئتي ألف نسمة. لا شيء إلا المزيد من التضييق على الجمعيات الأهلية التي تعمل بجد لتغيير أوضاع الناس.

لا شيء هنا سوى الأمراض المتفشية بين السكان الذين يتكدّسون بعضهم فوق بعض، والناجمة عن غياب النظافة العامة والرقابة على الأغذية والمياه وأي نوع من أنواع الخدمات الأساسية لضمان سلامة البشر.

لم تعد الكتابة عن حيّ السلّم تهدف إلى لفت أنظار الجهات المعنيّة بالتحرك. أهل الحيّ أنفسهم أخرجوا أي إمكانية للتغيير من حساباتهم. أضحى للكتابة هدف واحد وحيد: هذا هو مستقبل لبنان كله. هكذا سيحيا اللبنانيون كلهم قريبا. هذا هو ما يحدث لمّا تتنصل الدولة، برؤسائها، وحكومتها ووزاراتها ونوابها ومسؤوليها وأحزابها من تحمل أي من مسؤولياتها. هذا هو ما يولّده الفلتان التدريجي، في «السلم» وليس في الحرب: يتكدّس البشر بعضهم فوق بعض، ببؤسهم وأمراضهم وخلافاتهم وضيقهم، يخرجون من حسابات الجميع، ويتعلمون أن ينسوا أنهم لا يستحقون أيا من ذلك كله.

لا شيء هنا إلا النفايات في النهر

يتبع حيّ السلمّ الى بلدية الشويفات. ويقدّر رئيس بلدية الشويفات ملحم السوقي مساحة الحي بما بين الكلومترين والثلاثة كيلومترات مربّعة، يقطنها بين المئة والخمسين والمئتي ألف نسمة.

لا مخفر في حيّ السلم، بل يستعين سكان الحّي، إن رغبوا، بمخفر الشويفات. أما المرضى منهم، فلهم مركز تابع لوزارة الشؤون الاجتماعية، ومستوصف تابع للـ«هيئة الصحّية الإسلاميّة»، وعيادات خاصّة.

كأنما النفايات هي العنوان شبه الوحيد لسير الحياة في منطقة حي السلم. نفايات تنتشر أينما وقع النظر، في الزواريب التي يسمونها طرقاً، وفي الأسواق، وبالقرب من المدارس، وعند الحقول المزروعة بالخضار.

تنتشر النفايات وتتكوم أيضا في مجرى «نهر الغدير»… بعد تنظيفه.

تقول سيدة تقيم في أحد الأحياء المجاورة للنهر، لم ترغب بذكر اسمها، إن الناس يرمون النفايات في المجرى لغياب مستوعبات النفايات بالقرب من منازلهم، وقد اعتادوا على أن النهر هو مكب النفايات الأكبر حجما في المنطقة. يرمونها فيه عبر الشرفات، فتسقط فيه مباشرة.

وعندما يحل الشتاء، تجرف مياه الأمطار معها أكياس النفايات من المجرى، أو تبقى فيه فتسدّه، وتفيض مياهه الآسنة على المنازل.

لا تستوعب المستوعبات المنتشرة في أزقة الحي ربع النفايات التي يرميها السكان يوميا، ذلك أن عددهم يتطلب عددا أكبر من المستوعبات. وزّعت شركة «سوكلين» عددا من البراميل في زوايا متفرقة، لكن ما يتكوم إلى جانبها يزيد كثيرا عما يتّسع في داخلها.

مياه شرب مجهولة المصدر

لا مياه للشرب في حي السلم. تباع المياه عبر الخزانات. يملك صاحب محل سمانة إحد تلك الخزانات، ويوضح أنه يشتري كل عشرين برميلا بمبلغ 25 ألف ليرة، بينما يبيع كل عبوة مياه، سعة عشرين ليترا، بمبلغ خمسمئة ليرة لبنانية.

لا يعرف صاحب المحل مصدر المياه التي يبيعها، بل يعرف بائعها ويدعى وسيم. وقد أفاد وسيم، لدى الاتصال به، بأن المياه التي يبيعها هي من نبع الريشونية في الشويفات، ويتراوح سعر كل خمسة براميل بين خمسة عشر وعشرين ألف ليرة.

ويشير إلى أن برميل مياه الخدمة أصبح أغلى من برميل مياه الشرب، بسبب الشح، ويباع حاليا بثلاثة آلاف ليرة.

لكن مياه الخدمة متوافرة في حي السلم «الغنيّ» بالمياه الجوفية التي تستخرج عبر الآبار الارتوازية. أما ما هي نوعية المياه، فذلك علمه عند الله وحده.

5 أمبير بستين ألف

يُعتبر الحديث عن الاشتراك في الكهرباء الرسمية في المنطقة أشبه بمزحة. هناك عدادات كهربائية في الأحياء، لكن معظمها لا يستخدم.

يصف أحد الرجال نصيب الحيّ من كهرباء الجمهورية اللبنانية قائلا: «عندما يكون دورنا، تضيء الكهرباء دقيقة ثم تنطفئ، ربع ساعة ثم تنطفئ، وبالكثير تضيء نصف ساعة. وهكذا، تبقى في حال من الإضاءة والانقطاع حتى تنطفئ قلوبنا. لكل ذلك يحصل طبعا خارج ساعات التقنين».

تنتشر في الحي المولدات، الكهرباء البديلة، التي يملكها أشخاص محددون، بينها مولد وضع عند مدخل الحي الرئيسي وعليه لافتة: «مولد الجهاد للكهرباء، كل خمسة أمبير بستين ألف ليرة».

ويعتبر سعر الاشتراك في حي السلّم منخفضا مقارنة بسعره في أحياء الضاحية الأخرى، حيث يباع كل خمسة أمبير بثمانين ألف ليرة. والسبب طبعا يعود إلى قدرة السكان الاقتصادية. ومع ذلك، يتقاسم الأهالي، في كثير من الحالات، الاشتراك نفسه مع أبنائهم المتزوجين أو مع الجيران بغرض التوفير. ومن لا يملك القدرة على دفع بدل الاشتراك، يستعيض عنه بضوء البطارية.

مدارس «أهلية بمحلية»

لا مدارس رسمية في حي السلم، بل هناك ما يقارب عشر مدارس خاصة. يصف أحد الأساتذة تلك المدارس بأنها أشبه بالتجمعات السكنية أكثر مما هي للتعلم. يتدخل الأهالي كثيرا لدى إدارات المدارس في سبيل إنجاح أولادهم، بينما يدرّس الأساتذة بحسب أمزجتهم من دون وجود مرجعيات للرقابة.

وقد أمضى الأستاذ في السلك التعليمي ما يقارب العشرين عاما، علّم خلالها في ثلاث مدارس في حي السلم، بالإضافة إلى مدارس أخرى رسمية.

يقول إن سبب فوضى التعليم هو فقدان المعايير الموحّدة في نظام التعليم العام في لبنان، إذ يتوزع الأساتذة والمدارس، استنادا إلى المنطقة والطائفة والمذهب والمستوى الاقتصادي. ولا يختلف ذلك التوزيع لدى إجراء الامتحانات الرسمية، إذا وصل تلامذة حي السلم إلى المرحلة المتوسطة، لأن معظمهم يتسرّب من المدارس قبل الوصول إلى تلك المرحلة، وخاصة الصبيان منهم.

أمّا حين يصلون إلى مرحلة الشهادة، فيجرون الامتحانات في مدارس المنطقة، ويراقبهم أساتذتهم. طبعا، ينجح معظم التلامذة من دون بذل جهد كبير في الدرس.

ويؤكد الأستاذ أن أحد مدراء المدارس التي درّس فيها كان يعطي تلامذته الأسئلة وأجوبتها قبل دخولهم مباشرة إلى مراكز الامتحانات.

من جهتها، تقول مدرسة علوم طبيعية وكيمياء إن تدخلات الأهالي تؤدي إلى اصطدام أولادهم بعقبة الامتحانات الرسمية. وتوضح أنها تتقاضى راتبا يبلغ ستمئة ألف ليرة شهريا، مع العلم أنها تحمل شهادة ليسانس من كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، لكن الكلية تخرّج سنويا ما يقارب المئتي طالب من حاملي الإجازات في اختصاصات العلوم الطبيعية والكيمياء والفيزياء، غالبيتهم من الضاحية الجنوبية، لذلك تضيق الفرص أمام الأساتذة للمطالبة برفع قيمة الراتب.

وبسبب تدني قيمة الراتب، اضطرت المعلمة وزوجها الذي يدرس الرياضيات في أحد معاهد بئر العبد، إلى الإقامة في إحدى الشقق عند مدخل حي السلم، بينما يقيم أهلها وأهل زوجها في مناطق تعد أفضل حالا في الضاحية.

لا ممنوعات بين الشبان

حسين من البقاع، ومحمد من الجنوب. تسرّبا من المدرسة قبل وصولهما إلى الشهادة المتوسطة. هما شابان شديدا الوسامة ببشرة حنطية وعيون ملوّنة. كلاهما في الثامنة عشرة، ويعملان معا في أحد المطابع بدوام ليلي، يحمل كل منهما علبة تبغ، ويدخنان باستمرار.

يقول حسين إن جميع أصدقائه يدخنون التبغ، والحشيشة بشكل عادي، في الشارع وفي المدرسة.

أمّا محمد فيؤكد أنه ليس هناك من يطلب إلى الشباب وقف تدخين التبغ أو الحشيشة. تقوم بعض الأمهات بمحاولات يائسة، ولا يصغي إليها الأولاد.

يقضي حسين ومحمد جزءا كبيرا من نهاراتهما في الطريق، وعندما يريدان التنزه يقصدان شاطئ الرملة البيضاء صيفا، أو يذهبان إلى قريتيهما في الجنوب وفي البقاع. لم يصلا بعد إلى مرحلة مشاهدة الأفلام السينمائية في دور السينما.

يقول حسن إنه لم يكمل تعليمه لأنه اضطرّ للعمل بعد إصابة والده بجلطة دماغية، سببها .. كثرة التدخين. أما محمد، فهو ببساطة لا يحب المدرسة. ومثلهما عشرات الشبان الذين يعملون إما في مهن بسيطة مثل الحدادة والدهان والنجارة، وبيع السمانة والخضار، أو أنهم لا يجدون عملا.

سوقان و ..اتصالات

ينقسم السوق التجاري في حي السلم إلى قسمين. هناك السوق الشعبي، حيث تلتصق العربات بعضها ببعض، ويزدحم المارة والمشترون، وبضائعه هي الأرخص ثمنا، وهو أشبه بسوق صبرا الشعبي حيث تنتشر الألبسة الجديدة والمستعملة، وأدوات الزينة والعطور، كما الخضار والفاكهة والمواد الغذائية. ويعمل في السوق باعة سوريون يستوردون جميع بضائعهم من سوريا.

في تلك المنطقة انتشر مرض التهاب العيون انتشارا واسعا، قبل أن ينحسر تدريجيا مع انخفاض درجات الحرارة.

أما السوق الثاني فيقع في شارع المنصور الموازي، حيث تنتشر محال بيع الألبسة المخصصة للفئات «الميسورة»، وهو يعتبر الشارع الأكثر نظافة وترتيبا في المنطقة كلها.

أمّا الاتصالات، فلــها أعــرافها الخاصة في حيّ السلّم. يعتمد أصحاب محال الهواتف الخلوية التي تتوزع بين الأحياء، طريقة خاصة في بيع الوحدات للسكان تنسجم مع أوضاعهم الاقتصادية. ويقول أحد البائعين، وهو شاب في مقـتبل العمر، إن غالبية الزبائن لا يشترون البـطاقات التي يبلغ ثمنها تسعة وثلاثين ألف ليرة، وتكفي لمدة خمسة وثلاثين يوما، وإذا اشتروها، يكون الهدف منها الاحتفاظ بالأيام الخمسة والثلاثين التي تمكنهم من الاتصال.

ما يحصل هو أن الزبائن يطلبون من صاحب المحلّ، وفور شراء البطاقة، مبلغا من المال مقابل احتفاظهم بعدد أقلّ من وحدات أقل، ويستبدلون الاتصالات بالرسائل الهاتفية. أما إذا اضطروا للاتصال فإنهم يقصدون أحد أصحاب الهواتف الخلوية الثابتة، لأن قيمة الاتصال تكون أقل.

وقد نشرت محال بيع الخلوي على واجهات محالها، لافتات توضح فيها أسعار الاتصالات، الهاتفية والبطاقات، ومدة كل منها، بالدقائق والدولارات.