Beirut – The Shaykh of the Bookbinders

(as-Safir, November 16, 2010)

صوت الإذاعة المحلية يعلو من المذياع العتيق. يعود إلى أكثر من خمسين عاماً. صاحبه المتمسك بأشيائه القديمة يرفض فكرة التخلي عنه. ما دامت الأشياء تؤدي عملها فسيحافظ عليها.

الدخول إلى معمل مجلد الكتب رياض خباز حيث يصدح صوت المذياع ممنوع على الغرباء. على الزبون أن يعرض الكتاب الذي يريد أن يجلده في بهو صغير لا تزيد مساحته عن متر مربع أو مترين على الأكثر عند مدخل المعمل الواقع في الشارع الذي يؤدي من مسجد زقاق البلاط إلى تمثال الرئيس رياض الصلح.

ويبدو أن خباز، ابن منطقة المزرعة، متمسك بكل ما له علاقة بالتفاصيل بدءا من المكان. فهو مثلا يرفض التخلي عن معمل لا تزيد مساحته عن خمسين مترا مربعا. حتى أن فكرة إعادة ترتيب المعمل احتاجت إلى ضغوطات عدة مارسها ابنه شاكر.

قدّم له كثيرون عروض انتقال عدة إلا أنها لم تلقَ قبوله. يحب الرجل معمله كما هو، بمساحته الصغيرة وأغراضه الكثيرة و«كراكيبه» التي تزيد من ضيقه. حتى وليد جنبلاط نصحه بالتوسع عندما زاره فجأة، وكثيرون غيره فعلوا الأمر ذاته، إلا أنه لم يقتنع. يستعين بالمثل الشعبي القائل «على قد فراشك مد..»

بلغ خباز عامه الستين، وقد قضى ثلثيها في المهنة اليدوية العتيقة ولم يمل منها بعد. مهنة والده في الحلاقة لم تقنعه يوما. جربها ففشل. تدرب في زبون فجرحه أثناء الحلاقة ونال «قتلة» من والده. يتذكر الحادثة ويضحك. يقول عباراته كما هي، ببساطة، من دون تلطيف، ولا يتوقف عن التندر على نفسه. يشرح وجهة نظره في الموضوع قائلا إن «زبون الحلاقة لا يقلع عن التململ.. هذا السالف طويل وهذا قصير.. « لذلك قرر أن يجد نفسه في عمل آخر. في مهنة يكون ممتهنها «حاكما لا محكوما».

كانت البداية في قسم تذاكر الترامواي في مطبعة «دار الحياة»، حيث كان يتم طبع التذاكر وتقطيعها ولفها. كانت «دار الحياة» تطبع تذاكر الترامواي، والكتب، وجريدة «الحياة»، الصحيفة الأشهر وقتها، بحسب ما يتذكر.

في العام 1955، طُلب منهم تجليد كتاب كان عبارة عن مجموعة من المعاهدات الدولية. نزل مؤسس الصحيفة كامل مروة إلى المطبعة طالبا تجليد الكتاب. يقول: «كان مروة يحب عمله دقيقا.. تم تجليد الكتاب، ووزع، فاشتهرنا بالتجليد في «دار الحياة» في تلك الفترة».

لاحقا، ترك «دار الحياة» للعمل عند عبد الحفيظ البساط في البسطة التحتا و«كانت لديه أكبر مؤسسة تجليد في البلد». كان البساط يدور على عماله في المعمل للتأكد من دقة ما تنتجه أيديهم. ذات يوم، قال له أحد زملائه إنه يعمل ببطء شديد. لم يستسغ الملاحظة، فتجادلا بوصول البساط. فقال له البساط ساعتها: «لا يوافقك العمل لدي. حتى لا تفتعل المشاكل دبر حالك وافتح محلا». وهكذا كان.

الاستقلال في المهنة

في العام 1970 افتتح المحل – المعمل الذي يقع تحت السلم الحجري الذي يؤدي إلى «كنيسة الأرمن مار نيشان» واستقر فيه بقية سنين حياته العملية. وشيئا فشيئا، بدأ يُدخل الآلات إلى المعمل. حتى الحرب الأهلية نفسها التي انطلقت بعد فترة لم تمنعه من مزاولة مهنته يوميا، في نقطة تقع عند حدود وسط المدينة التي احترقت على أيدي المتقاتلين.

بدأ بتجليد الكتب والمخطوطات الثمينة. وصارت لديه شبكة من الزبائن من جهات سياسية مختلفة أدت أدوارا أساسية في مجرى الأحداث اللبنانية. أسماء مثل كمال جنبلاط، وبشير الجميل، وغسان تويني، وغيرهم.

لا يجلّد أبو شاكر الكثير من الكتب. الكتاب العزيز على صاحبه فقط. أما الكتب «الممنوعة»، أي التي تتعرض للدولة، فلا يجلدها. وعندما يحضر الزبون كتابا، يتعين على أبي شاكر أن يطلع على محتواه « فالممنوع يعني ممنوعاً». والكتب المطبوعة بشكل مزور ممنوعة من التجليد أيضا. حقوق النشر محفوظة في محله.

يتميز الكتاب المجلد، أي الذي يتم إلباسه الجلد، عن الكتاب غير المجلد بأنه «يعيش إلى ولد الولد». يستشهد بالمثل الشعبي: «لبّس العود يجود». ويشرح: «يحمل الزبون الكتاب المجلد فيفتخر باسم المؤلف واسم الكتاب وتاريخه عليه. وقد يطلب أن يحفر اسمه الخاص عليه أيضا»، ويتابع الشرح: «واثنان يفتتان الكتاب: الحريق والغريق»، أي النار والماء.

يختلف ثمن تجليد الكتاب بحسب قياسه ونوعه، وأحيانا بحسب مرتبة الزبون الاجتماعية. عندما يأتي زبون «كبير» لا يقول له أبو شاكر كم تبلغ كلفة الكتاب. يتركها لـ«كرم أخلاق» الزبون. والجلد نوع واحد، مصنوع من جلد الماعز، لكن ألوانه متنوعة. وجلد الماعز طري، ومرن، وليست له رائحة.

عشرون يوما من العمل كانت الفترة الزمنية الأطول التي استهلكها كتاب بين يدي أبي شاكر. كان مصحفا كتبت أحرفه بماء الذهب، ما استدعى الكثير من التأني والدقة واحتاج إلى المعالجة بطريقة فنية محترفة.

أخذ أبو شاكر الكتاب معه إلى منزله ليعمل عليه. صار يشتغل فيه لساعات وعندما يتعب يتوقف ليستريح، قبل أن يعود للمتابعة. فرح الزبون كثيرا بالكتاب، دفع ما يتوجب عليه، وعندما طلب منه أبو شاكر خدمة خاصة، ذهب من دون رجعة.

قد يستغرب الزبون كتابه بعد «التجديد» ولا يعرفه. يكون أبو شاكر قد رممه، أي بعباراته المرحة «أعاده إلى صباه». وأبو شاكر لا يلمس قلب الكتاب نهائيا. يرممه من الخارج إذا كان ممزقا أو متهالكا من دون أن يمس المضمون.

حاليا، لا يعمل في المحل إلا أبو شاكر وولداه شاكر وهيثم، الشابان العشرينيان المتخرجان بشهادتين جامعيتين، الأول في إدارة الأعمال والثاني في المحاسبة. كانا يأتيان منذ صغرهما مع والدهما إلى المحل، ورويدا رويدا تعلما المهنة. لكن الشابين لا يملكان صبر والدهما. يملان سريعا من الكتب الصعبة. أحبا المهنة ولم يحبا تعب الكتب المهترئة.

ثقة في مكانها

يؤمن أبو شاكر بأن علاقته بالناس أساسها الثقة. لا يعطي الزبون إيصالا بالكتاب الذي يتركه ولو وصل ثمنه إلى عشرة آلاف دولار «حتى لو كان نائبا أو وزيرا».

ذات يوم، طرق باب المحل رجل قال إن أحد مخاتير بيروت قد أرسله. أظهر عدداً من جوازات السفر وطلب أن يسحب منها أوراقا ليستبدلها بأخرى. فهم أبو شاكر «اللعبة» على الفور. وبما أن التزوير ليس متاحا، طلب منه أن يتوجه إلى الأمن العام وأن يحضر له ورقة مصادقة منه تعطي الإذن بالشيء الذي يريد أن يفعله. خرج.. وبالطبع لم يعد.

يقول: «هناك أناس يحاولون أن يستغبوك في الحياة. عليك أن تكون صاحيا». يسأل: «لماذا اسمي محفوظ ومعتبر في البلد؟». ويجيب نفسه: «لأني لا أغش أو أزور..»

والحادثة السابقة ستتكرر مرارا. في مناسبة أخرى، خلال الحرب الأهلية، حضر أحد المسؤولين الفلسطينيين إلى المحل. عرض أن يطبع ما لا يقل عن مئة ألف غلاف جواز سفر، فسمع الجواب نفسه. عرض المسؤول أن يدفع لأبي شاكر ما شاء من المال. محال. وعندما عرض الموضوع على زوجته قالت له: «ماذا تنتظر؟». يتابع مبتسما: «حكي نسوان.. من يأكل «القتلة» عني ويعيل عائلتي إذا حدث ذلك؟».

وفي مرة ثالثة، أحضر له شخص كتابين للتجليد، أحدهما مصحف والثاني فيه صور «شنغر بنغر». والكلمة الغريبة المضحكة تعني بلغة أبي شاكر الشعبية «إباحية». استغرب كيف يستطيع الشخص نفسه أن يجمع بين الكتاب المقدس والآخر الرخيص. وأمام ذلك السؤال، تراجع الرجل. لم يعد يريد أن يجلد الكتابين. لكن أبا شاكر نفسه كان قد سبقه إلى القرار.

مرة واحدة كسر الثقة، لفترة وجيزة، مع أحد الزبائن. كانت مع الرئيس بشير الجميل. أرسل الجميل بعيد انتخابه ألبومات صوره العائلية لكي يتم تجليدها بالأبيض. ومن بين الصور، أعجبت أبا شاكر واحدة كان منها نسختان. وكانت صورة الجميل وهو يقطع قالب الحلوى بالسكين وحمامة بيضاء تقف على يده. قرر أن يحتفظ بإحدى الصورتين للذكرى. لكن عندما وصل مرافق الجميل لاستعادة الألبومات خاف من أن يتهم بالسرقة.

يصفق يديه بحماسة المفاجئ من فعلته كأنها حدثت بالأمس. أعاد الصورة إلى الألبومات قبل أن يسلمها. بعد أيام، اغتيل بشير الجميل، فسمع الخبر عبر المذياع العتيق نفسه الذي كان ينقل له معظم الأحداث التي شهدتها البلاد.

لا تهدأ حركة أبي شاكر في المعمل. يتنقل «شيخ المجلدين» كما أطلق عليه الصحافي البريطاني المعروف روبرت فيسك من مقطع القص الكهربائي، إلى آلة تذهيب الغلاف، وآلة اللف، والمكبس الذي يضغط قميص الكتاب على كرتونته السميكة. يتعامل الرجل الذي غطى الأبيض شعر رأسه، مع الكتاب بحذر الأب الذي يلبس الثياب لأحد أبنائه.

يعمل بنشاط فائق وبجدية متناهية في مهنة باتت في طور الانقراض أمام تقدم العالم الالكتروني الذي طال حتى الكتاب. لكنه لا يزال مؤمنا وواثقا بأن هناك كتباً، مهما دارت الأيام، لا بد من الحفاظ عليها.