Lebanon being destroyed – Ghassan Sharbil, “We are all criminals”

(al-Hayat, December 13, 2010)

by Ghassan Sharbil

يذكرك الحاضر أحياناً بالماضي. بحديث قديم سمعته ولم تتوقع أن تسترجعه ذاكرتك بعد عقدين. في بيروت تذكرت حديثاً سمعته في تونس. كان الوضع العربي قاتماً. اجتاح نظام صدام حسين الكويت ولم يكن سراً أن غيوم الحرب تتلبد. اتصلت بعضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» صلاح خلف (أبو إياد) وقلت أستمع الى وجهة نظره في المشهد العربي الكارثي السائد.

دخلت مقر القائد الفلسطيني ولم تكن بيني وبينه علاقة حميمة تسمح لي بتوقّع أن يفضي إليّ بما يتجاوز الكلام السياسي العام. شاءت الصدفة أن يكون الرجل في مزاج من يشعر برغبة في البوح والاعتراف. كأنه كان يحدس بما ينتظر القضية التي من أجلها قاتل عقوداً في حروب «فتح» وكواليس الأمن.

كنت أريد الحديث عن الوضع العربي العام وكان يصرّ على حرف الحوار في اتجاه لبنان. قال: «تريد الحقيقة. أزعج ما في اللبنانيين أنهم لا يعرفون قيمة لبنان. إنهم شعب ذكي بالتأكيد لكن نقاط ضعفهم قاتلة. لا يعرفون أيضاً قيمة بيروت. إنها جوهرة على المتوسط».

ابتسمت فأدرك أن سؤالاً يجول في خاطري وهو: لماذا لم ترحموا أنتم أيضاً هذه الجوهرة؟ سارع الى القول: «كلنا مجرمون في حق بيروت. أقول ذلك ولا أستثني أحداً. من أطلق النار ومن تواطأ ومن شجع ومن تآمر ومن توهّم ومن ارتكب عن حسن نية أيضاً. بعد بيروت نحن في العراء. لن نعثر على بيروت أخرى. سندفع الثمن باهظاً».

وأضاف: «لا تسألني عن بعض التصريحات الانفعالية والمتهورة. أنا نادم عليها وعلى أشياء كثيرة. من عدم احترام الدولة اللبنانية الى استفزاز بعض اللبنانيين والاستقواء بالبعض الآخر. من الضلوع في تفكيك الجيش الى الضغط على بعض المسيحيين الى درجة وقوعهم في أحضان الشيطان. خصومنا لم يكونوا أبرياء. أميركا وإسرائيل وجهات كثيرة تآمرت علينا واستدرجتنا ووقعنا في الفخ بسبب انقساماتنا والمزايدات».

أصبت بشيء من الذهول. لم أتوقع اعترافات من هذه القماشة لكن الأهم هو الرسالة التي أراد «أبو إياد» إيصالها حين تابع. قال: «نحن أسأنا التصرف وأخطأنا في الحسابات والرهانات. تصرفنا تصرف يائسين طردوا من وطنهم. ما أستغربه أنا هو تصرف اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم من كانوا معنا ومن كانوا ضدنا. تصرفوا كأنهم يملكون وطناً آخر. والحقيقة أنهم لا يملكون غير الأرض التي أحرقوها وأحرقناها معهم. سأقول لك كلاماً مؤلماً. إذا لم يتعلم اللبنانيون فقد يستيقظون ذات يوم ليدركوا أنهم باتوا بلا وطن. مجرم من لا يرحم قضيته ومجرم من لا يرحم وطنه».

في بيروت التي تمضي أياماً مطبوخة بالخوف والترقب والقلق تذكرت كلام «أبو إياد». يتصرف اللبنانيون كأنهم يملكون أوطاناً أخرى وأوطاناً بديلة وهم لا يملكون غير خيمة تنذر العاصفة باقتلاع أوتادها.