Lebanon – Civil War Memory, Daqqoun is still on hold

(an-Nahar, November 20, 2010)

حين عاد اهالي دقون اليها في عام 2006، كانت الفرحة تتنقل بين ازقة الضيعة. عند كل مفترق، كانت هناك حكاية. وامام كل بيت، رويت الف قصة وذكرى. كانت الاحلام والخطط كثيرة. ببساطة كان اهالي دقون يريدون اعادة الحياة الى قرية فقدتها 22 عاما بحكم التهجير. وسط اشجار الزيتون وبعض الصنوبر الصامد بعد الحريق، لا تزال بيوت دقون في الشحار الغربي (عاليه) “تصارع” من اجل البقاء. بعض المنازل اعيد اعمارها، وبعضها الاخر قطع شوطا خجولاً، فيما بيوت كثيرة لا تزال مرسومة بآثار الحرب. هناك، في تلك القرية: الحياة تعود تدريجيا، فالتهجير في 14 شباط عام 1984 كان قاسيا على منطقة الشحار. واعوام الانتظار مرت ببطء، ولاسيما ان عام العودة الحقيقي كان في 2007، كون حرب تموز عام 2006 جمدت مفاعيل المصالحة واخرت دفع التعويضات.

اليوم، بعد ثلاثة اعوام، يحاول الاهالي تعويض ما فاتهم. هي فقط 33 كليومترا، تفصل دقون عن بيروت. تصل الى هناك فتسمع جرس كنيسة مارت تقلا يقرع مجددا. لا تزال الكنيسة تخضع لورشة اعادة الاعمار، بعدما اكتمل صالونها، وبات “يحضن” قداساً صباحياً كل احد، فيما باتت ساحة مارت تقلا حيث الكنيسة القديمة، ساحة لتلاقي الاهالي، لاسيما في عيد شفيعتهم في 24 ايلول من كل سنة.

بعد عام 2006، رممت المدافن، ونشطت لجنة الوقف في تأهيل الطرق اليها. كانت مواراة الثرى المناسبة الوحيدة التي تجمع اهل دقون في ضيعتهم، بعدما حرموا دفن احبائهم هناك. بعدها بقليل، بدأت الضيعة تستقبل ابناءها. تحمس الجميع للعودة، فيما ندرة التعويضات شكلت العائق الوحيد امام عودة سريعة او ثابتة.

جرس الكنيسة

المفارقة ان جرس كنيسة مارت تقلا كان من اول الاجراس التي قرعت في المنطقة بعد التهجير، وتحديدا بعد قرية عين كسور. يومها، كانت الغصة تملأ قلوب الاهالي وهم يسمعون جرس كنيستهم للمرة الاولى، بعد نحو ربع قرن. هذه الغصة كانت نفسها هذه السنة، حين التقى عدد كبير من الاهالي في ساحة الكنيسة القديمة لاحياء عيد القديسة، خلال مهرجان قروي، هدف الى لمّ شمل ما انقطع بحكم التهجير، والى جمع تبرعات، يعود ريعها لاستكمال اعمار الكنيسة.

الشاب طوني شعيا عضو في لجنة الوقف. يشرح ان “200 الف دولار أميركي انفقت على صالون الكنيسة، ولا نزال نحتاج الى 500 الف دولار أخرى. الهمّة متوافرة، الا ان الاموال هي الاساس”، واسف “لكون الحريق الاخير في المنطقة حال دون ضمان موسم الصنوبر الذي يعود ريعه الى الكنيسة، مما حرمها مبلغ 15 الف دولار”.

تسير بين احياء دقون، او حاراتها، التسمية التي تطلق هناك، فترى حجم التناقض. منازل ارتفعت، واخرى لا تزال حجارتها على الارض. فرن الضيعة مقفل. دكان القرية ينتظر من ينتشله من زمن الدمار. وحدها، الطبيعة بدت وفيّة لاصحابها. وجسر المطحنة القديمة بدا بدوره مخلصاً. هو من الاثار في دقون، وبين الحين والاخر، يلتقي الشباب هناك. يحاولون التعرّف الى قرية كادت ان تضيع يوما. لا تزال الارض تزخر بالخيرات، برغم الهشيم و”غابات” الحشيش، بفعل الاهمال طوال هذه المدة. مواسم التين والعنب والزيتون لا تزال تثمر. في اواخر تشرين الاول الماضي، كانت اصداء اصوات الاهالي، كبارا وشبابا وصغارا، تسمع بين البيوت والاراضي الزراعية، يرددون: “والله، رجع قطاف الزيتون في دقون”.

طابع الضيعة لا يزال يطغى، بهدوئه واشجاره وطرقه واحراجه وبيوته القديمة التي يصل عددها الى نحو 150. اما عدد سكانها فيقارب 1500 نسمة، وعدد الناخبين نحو 800، ويبلغ عدد المهاجرين اكثر من ثلث عدد السكان. هي خريطة دقون. والمفارقة ان نحو 12 بيتا فقط يسكنه اهله في شكل دائم، خلال الشتاء، فيما يرتفع العدد قليلا في الصيف. وهنا، لا داع للاستفسار عن السبب، فمقوّمات البقاء لا تزال خجولة، والتحدي مطلوب من اثنين: الاهالي والوزارات.

دقون القديمة

يوم الاحد مختلف في دقون. لعلّه الاكثر حيوية بين ايام الاسبوع. تشعر ان “الضيعة رجعت”. تلتقي بأهال يخرجون من الكنيسة. لكن لزكريا شعيا قصته. هو من اكبر رجال الضيعة. عمره يناهز الثمانين، وهو اول العائدين الى دقون. يمضي وقته في الاعتناء بالارض. يسير والحمار بين حارات دقون. هو لا يزال يعرف قيمة الارض ونعمة الضيعة وبحبوحة ابن الجبل. يروى عنه انه لا يزال حتى اليوم، يقصد قرية كليليه المجاورة على ضهر حماره، ليتفقد ارضا يملكها هناك.

مع زكريا، تشعر انك في دقون القديمة، تسترجع صورا جميلة، قبل مرارة التهجير وحقد الحرب. يشعرك بالبساطة والمحبة.

يلقي العم الثمانيني نظرة هنا، ويستعيد ذكرى هناك. حين تسأله، ماذا تحب اكثر في دقون؟ يجيب: “هي دقون اكثر ما احب. كنت انتظر ان ارجع، ولم اتصورّ انني سأرى الضيعة مجددا”.

لا يحب زكريا استرجاع الماضي، لاسيما يوم التهجير. يجلس على شرفة منزله الذي يعيد اعماره. يستعد لتناول الطعام وشرب كأس العرق. يرمق بعينيه المواسم الزراعية، ويتمتم: “ما في احلى من ارض دقون”.

لهؤلاء الكبار حكايات. انما لعناد نهى شعيا ايضا مفارقة. هذه السيدة عادت في عام 1995، حين سلّمت الاراضي الزراعية، وكانت منازل الاهالي لا تزال مشغولة من الغير. يومها، لم تكن هناك مصالحة ولا عودة. انما نهى عادت لتنصب خيمة.

وفي ذلك العام، جهزّت الخيمة بكل ما يتيسّر لقضاء يوم في “طبيعة دقون”، ومع الوقت اصبح للخيمة باب ومفتاح. اليوم، تقصد مع نهى الخيمة في “حقلة مرداس”. هناك، تشم رائحة الارض. تسمع صوت الضفادع وتغريد الطيور. تنظر الى الموقدة والصاج واشجار الريحان والصبار. تشعر ان كل شيء على بساطته، جميل. داخل الخيمة، كل ما تطلبه موجود، من اكل وشرب ولوازم الارض. حتى المدفع الذي يقتلون فيه الخلد موجود! كانت نهى تمضي كل نهارها هنا. تقول: “بيكفي قول اني طلعت ع دقون”. كان هذا الشعور كافيا لجعلها تنتظر “العودة الرسمية”.

الان، تنام نهى احيانا في دقون. تقول: ” لا اقفل باب البيت. لا اخاف. الارض هنا مباركة”. تستحضر اول يوم عادت فيه الى دقون بعد تسليم المنازل. ركضت نهى بين الاحراج، وجمعت بالقرب من كل بيت، ما كان لا يزال “مسمّرا” في الارض، من فستق حلبي الى عنب وليمون. قدّمت هذه الخيرات لاصحابها، ففيها “رائحة دقون”. انما السنديانة الكبيرة قرب المنزل كانت قد رحلت. ايمان نهى بالعودة يجعلها تحلم بأمنية وحيدة: “ان اترك عملي في بيروت واشيد منزلاً في دقون لاعيش هنا”.

نبض الشباب ومشاريع

تساعد نهى الشباب في بعض النشاطات للتشجيع على العودة. تقدّم الهدايا الى الاطفال كلما زاروا الضيعة. تنظف الكنيسة، وتبدو وحدها كخلية نحل. نبض الشباب هذا يتمتع به كثر من شباب دقون.

كارلا شلهوب نائبة رئيس البلدية، تحاول اليوم البحث عن تاريخ دقون. تقول: “كنت اشعر اني من دقون على الهوية فقط. كان الانتماء فكرة. تربيت في بيروت وعشت مراحل طفولتي. اليوم، احاول التعويض”.

لا تخفي شلهوب ان والدها ادّى دورا اساسيا في حثها على العودة وفي حبّ دقون. هو كان مشجعها الاول للترشح الى البلدية. وبعد وفاته، شعرت كارلا ان منح وقتها لدقون يريحها نفسيا ويجعلها تفتخر بانتمائها. تعلّق: “لا احد ينكر اصله. اليوم، بت اعرف دقون واعرف كيف اتكلم عنها. هذا السنة شكل احتفال عيد مارت تقلا نقلة نوعية، وبتنا نشعر ان الضيعة تعود تدرجاً، الا ان المهم التعويل على الشباب ليعملوا فريقاً واحداً وليس كأحزاب متفرقة”.

اعادت كارلا اعمار بيتها، وتقصد دقون على الدوام. في رأسها، الكثير من المشاريع، وعنوانها العريض: “حثّ الجميع على العمل والعودة”.

ويلاقيها طوني شعيا قائلاً: “نريد عودة الشباب. منذ مدة، نظمّنا لقاء شبابياً، ونسعى الى جعله دوريا، لتعريف الشباب على بعضهم البعض، ولاسيما ان جيلا كاملا ولد خارج دقون او شب خارجها، وبات التواصل مقطوعا. نفكر ايضا بتنظيم معرض صور قديمة، عن اعراس دقون واحتفالاتها الانتخابية وسهراتها الصيفية، علّنا نستعيد الذكرى بصورة”.

في الـ 2004، جرت اول انتخابات بلدية وفاز المجلس بالتزكية، وفي الـ2010، تنافست لائحتان، ونجحت لائحة “الوفاء لدقون” بالكامل. يعدّد رئيس البلدية شادي شعيا المطالب الملحة ومنها: “تأمين طرق زراعية وقنوات وبرك، ومراقبة دورية للاحراج، اذ لا بد من معالجة جذرية لمشكلة الحرائق، والا سنتجه نحو التصحر”.

يقدّر شعيا حجم الحريق الاخير “بـ3 ملايين متر مربع”، ويأسف لان الوضع مذري. هناك آلية اطفاء واحدة لـ12 قرية، وامكانات البلدية قليلة. فليقدموا لنا قروضا ميسرّة لشراء الاليات وشق الطرق، لقد شبعنا كلاما”.

تتطلع البلدية اليوم الى التحريج، ويلفت شعيا الى “غياب الانماء الكامل”، قائلا: “لا اعرف اذا كان عن سوء نية او لا. منطقة الشحار هي اولى المناطق التي عانت الحروب، واخرها التي عاد بعد التهجير. اما المتضرر فهو الدرزي والمسيحي معا. ان المشكلة تكمن في ان الوزارات توزع التهم على بعضها البعض، ولا بد من تكتل المعنيين، لان المنطقة مريضة”.

ووفق شعيا، “قطعت البلدية السابقة شوطا في المشاريع، لكنه ليس كافيا. لقد انجزت شبكتي المياه والكهرباء، مع تدخل بطيء من وزارة الاشغال، لكوننا لا نزال موعودين بانشاء جدران الدعم للطرق الرئيسة”، ويقول: “بدلاً من الاهتمام بانشاء مدرسة او مستشفى، لا نزال نطالب بطرق وزفت. ان الدولة شبه غائبة عنا. على سبيل المثال، وبرغم صرختنا المتكررة، لا تزال مشكلة مطمر الناعمة تهدد المنطقة. ان ضيعنا بحكم المنسية”.

غداً، يجتمع رؤساء بلديات الشحار الغربي مع رئيس الحكومة سعد الحريري، والذي سيكون فرصة للتذكير بالصرخة، واذا كان هناك تقصير، فالمجال لا يزال مفتوحا. يكشف شعيا ان “40 في المئة من عائدات البلدية يعود الى “سوكلين”، فماذا يبقى لنا من مقوّمات للبقاء غائبة؟”، مشيرا الى ان “دعم بعض الجمعيات يستفيد منه المحظوظون فقط، ربما لان المساعدة تصرف في السياسة ايضا”.

في المحصلة، مطلوب انماء من الدولة، وارادة من الاهالي. فمن ترك ارضه قسرا، لا يتخلى عنها بسهولة. يكفي انه دفع اكبر ثمن تحت شعار “حماية مسيحيي الجبل”، وها هم المسيحيون يعودون من قبضة الموت ليعمرّوا “بالسراج والفتيلة”!