Lebanon & Civil War Memory – Reconciliation of Brih at last?

(Nahar Shabab, September 23, 2010)

بات الحديث عن التهجير ومرارته أمراً عادياً في لبنان، بعدما جرجرت نتائج الحرب ذيولها اكثر من نصف قرن… لكن ان تتحدث عن مصالحة دام انتظارها 33 عاما، فالمسألة تصبح ملحة وتستحق القاء الضوء عليها، لاسيما في عيون الشباب وكلامهم.

هي بريح، القرية الشوفية التي تهجرت على مرحلتين، وباتت على مر الاعوام خارج الزمن، بعدما اصبحت رمز القرى التي تهجر أهلها في زمن الحرب ولم يعودوا في زمن السلم. هم انتظروا من 21 آب 1977 الى 28 آب 2010.

أعوام تبدّل فيها الكثير، حتى القرية نفسها شاخت. وزراء تعاقبوا وبقي الكلام نفسه: “بريح تنتظر الاموال ومعالجة ذيول بيت الضيعة”. هذه المعادلة حفظت عن ظهر قلب، ورددتها اسطوانات المسؤولين مرارا، الى ان تبدل المشهد، اقله في الشكل، في 28 آب الفائت. يومذاك، وفي قصر بيت الدين، رعى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط مصالحة بريح.

قصة بيت

في هذا اليوم ايضا، اعلن جنبلاط ما كان يدركه جيدا، انطلاقا من كونه ابن الجبل، فقال: “نريد ان نعيش معاً. الى اين سنذهب؟ سنعيش بعضنا مع بعض. اذا كنا نريد الافتراق، فالمستقبل لن يكون لكم ولا لنا. نضمحل ونتبخر، ومعاً بوحدتنا نعزز ما تبقى من وحدة الجبل. انتبهوا الى هذا جيداً. انسوا الماضي”.

والماضي في بريح لا يزال راسخاً عبر البيوت والكنائس والمساجد المهدّمة، وأهلها الممزقين بين المدن، وشبابها الذين ولدوا خارج ارضهم، فحرموا حتى تكوين ذاكرة لهم من بلدة آبائهم.

قصة بريح بدأت في آب 1977 حين وقعت المجزرة في كنيسة مار جرجس، فترك عدد من الاهالي القرية، وبقيت الغالبية حتى 1982، عام التهجير النهائي. ونتيجة التهجير، وقعت التعديات على عدد كبير من الاملاك، وكان التعدي الابرز على “بيت الضيعة” الذي شيّد عام 1991، اي بعد نهاية الحرب، على مسافة امتار من كنيسة مار جرجس، وعلى ستة عقارات تعود الى المسيحيين. من هنا، باتت حكاية بريح مرادفة لقصة “بيت الضيعة” الذي شكل المفتاح الاساسي لاي عودة من عدمها.

اما اليوم، فقد وقع بروتوكول المصالحة، وعهد بواقع “بيت الضيعة” القائم حاليا الى المستقبل، بعدما اشتريت أرض لبناء بيتٍ جديد، في محاولة لمحو آثار الحرب والتهجير وازالة اي عامل نفسي او مادي قد يؤثر سلبا على العودة وأهل بريح، مقيمين وعائدين.

ولان الشباب دفعوا ثمن حرب لم يشاركوا فيها، وبعضهم لم يعيشوها حتى، كانوا هم الاكثر تضرراً في بعدهم عن قراهم، لانهم اقتلعوا قسرا من الجذور، فباتوا غرباء فيها، ويخشى ان يفقدوا اي اهتمام ببلداتهم، لكن المعادلة في بريح بدت اكثر تفاؤلاً. شباب متحمسون للعودة، ويعرفون جيدا كيف يقوّّمون المصالحة ويقاربون أهمية العودة.

بين الشكل والمضمون

لم تولد سينتيا خليل في بريح. من جدّتها تعرّفت الى البلدة، ورسمت في رأسها صورا عديدة عن مسقطها، وبدأت اسئلتها تتجمع عبر الاعوام. تقول: “كنا صغار وبدأنا نسأل ليش ما عنا ضيعة كسائر الاولاد. لم اكن افهم معنى كلمة مهجرين، رغم اني كنت اربطها دائما بقصص الحرب وحكاياتها”.

اليوم، تعلمت سينتيا ان العداوة في السياسة لا تدوم، فحين شهدت مصالحة بريح، لمست انها تتم من اكبر مرجعية، تعلّق: “شعرنا بالاهتمام، وبالطبع سررت كثيرا”.

هو السرور نفسه يعيشه الشاب كمال بو عز الدين، ويعتبر ان “المصالحة تهدف الى إزالة الحواجز بين اهالي البلدة… طريق الالف ميل بدأ”.

لا يغفل الشباب اهمية المصالحة التي انتظروها، وبالنسبة الى خليل فان “مشكلة بريح طالما تخطت الاموال. نحن نعرف جيدا تركيبة البلد، وندرك معنى الدم الذي ذهب هدراً والمجازر التي حدثت، والطابع الطائفي الذي تجذر. لذا اشعر بأن المصالحة هي رد اعتبار، وهي مهمة جدا، ولا سيما للشباب. نحن نريد ان نتخطى الماضي”.

يعترف الشباب بأن ما حصل في بريح كان مهما جدا في الشكل، انما لا يخفون ايضا اهمية المضمون. يقول كمال: “يكفي ان المصالحة اتت بعد 33 عاما لندرك اهميتها”.

هذه الاهمية تعيها ايضا موهانا العلي، فتاة عشرينية من بريح، تقول ان “المصالحة خطوة اساسية للعيش المشترك. نحن كنا مغبونين، ومن المسيء جدا ان يبقى في قريتنا مهجرون. نحن تحملنا النتائج والعداوات التي لا علاقة لنا بها”.

يقابلها كمال بعبارة جازمة: “لا ذنب لنا بكل الحرب والتهجير”. كمال (25 سنة)، يريد ان يشعر بأن “اهالي بريح انتقلوا فعلا الى مرحلة اخرى بعيدة من الحرب والتهجير”. هو يقيم في بريح، ولم يتركها يوما، لكنه يخبر ان “البلدة فارغة، تعاني اهمالا في البنى التحتية، والتهجير أثّر سلباً على اهلها”.

انتماء وصداقات

ارتبطت قصص التهجير بمسألة الانتماء. ولطالما طرح السؤال: هل يشعر الشباب المهجرون بالانتماء الى قريتهم، بعد السنين الطويلة؟

بصراحة تجيب سينتيا خليل: “اتمنى ان اشعر بالانتماء الى بريح. اعرف ان كل شيء يتصلّّح، لكن الشعور غريب، وخصوصا انني عشت التهجير من الجهتين، اذ ان امي ايضا تهجرت من رشميا”.

واقع تعيشه خليل ويدفعها الى التحدث بنبرة بنت الجبل، حين تقول: “بالطبع اريد ان اعود ونعمّر البيت، خسرنا بريح قسراً اكثر من 33 عاما، ولن نتخلى عنها اليوم طوعاً”.

ما يساعد في بريح، ورغم اشكالية “بيت الضيعة”، ان قسما كبيرا من الاهالي، بقوا على تواصل، واللافت ان جزءا لا يستهان به من الشباب، عملوا ايضا على التلاقي بين بعضهم البعض عبر جمعيات مدنية. تكشف خليل انها عملت العام الفائت، عبر جمعية ناشطة في محاربة الفساد، على اقامة عدد من المشاريع في مختلف القرى، ومنها بريح، كما ان العلي وبو عز الدين ساهما ايضا في تطوير هذا التواصل الشبابي، ويخبران ان مجموعة كبيرة من الشباب كانت تتواصل مع بعضها البعض، عبر الانترنت “وهذا عامل مساعد”.

يروي كمال ان “اهم ما ربحناه في هذا التلاقي هو الصداقات، وهذا سيساعد حكما بعد مرحلة توقيع المصالحة”. وعن هذه التجربة، تشرح العلي ان “المشاريع كانت تقف وتصطدم دائما بحجة ان لا مصالحة في بريح. كنا نخسر تنفيذ المشاريع، لكن المهم اننا ربحنا الصداقات بين الشباب، مسيحيين ودروزاً”.

في عمر 13 عاما، غادرت موهانا بريح، لتعيش في عاليه، لكون مسقطها كما تقول، “بات خارج الزمن. لا مقوّمات للعيش فيه. التهجير أضر بالبلدة وبجميع اهلها. لا أحد لا يمكن ان يقبل بلغة الحرب، لكني اليوم من اكثر المتحمسين للعودة”.

وبعد… بماذا يطالب الشباب؟ تجيب خليل: “ترجمة المصالحة بالاموال، علّه بذلك يتم تعويضنا وتعويض اهلنا”، ويتفق معها بو عز الدين، اذ يقول ان “المطلوب حالياً دفع التعويضات للطرفين، وان تكون محقة، تليق بتضحياتهم وببعدهم عن قراهم”، ويقترح ان يصبح “بيت الضيعة القديم مكانا رمزيا لكل الاهالي، مقراً لجمعية ما او مركزاً للبلدية، اذ يكون جسرا للتواصل الفعلي بين الاهالي”.

اما العلي فتعتبر ان “الملح الان هو محو آثار الحرب التي لا تزال على معظم البيوت. ببساطة نريد ان نعود الى الحياة”.

تدرك موهانا جيدا كيف تخبر الاخرين عن بريح، تقول: “ضيعة جميلة وخضراء. بيوت اهلها، المسيحيين والدروز، تتجاور، وهذا ما ترجم بعلاقات اجتماعية بقي البعض منها، رغم التهجير”.

وابرز ما هو مطلوب اليوم، وفق العلي، “اقامة النوادي الرياضية والنشاطات الشبابية والمكتبات التي تحفّز الشباب على العودة. وهذا ما يجب ان نبدأ به”.

“جهد اضافي” يتحدث عنه كمال، وهو في تشجيع الشباب على العودة، لا سيما ان عددا من الاهالي استملك خارج البلدة، ولا رقم فعلياً عن الاستملاكات، وفق بو عز الدين “وهذا طبعاً مؤشر غير سليم، وينبغي العمل على حض الشباب على العودة”.

ويبقى اللافت في قصة سينتيا انها لم تزر بريح مرة. من هنا، تبدو رسالتها واضحة: “نريد فعلاً ان نحس اننا من البلدة. هكذا، اريد ان تكون زيارتي الاولى، بلا قلق ولا هاجس نفسي. اريد ان اصعد مع أفراد في العائلة ليرسموا ذكريات طالما حدثوني عنها. اريد ان اقصدها راغبة ومرغوباً فيها، حتى تصبح لي حكاية ارويها لاولادي عن التهجير… فالعودة”

منال شعيا

(manal.chaaya@annahar.com.lb)