Beirut Heritage – Greek Catholics Cathedral re opened after the war

(an-Nahar, December 10, 2010)

اخيراً اكتمل عقد الكنائس المرممة في وسط بيروت، وها هي كاتدرائية مار الياس للروم الكاثوليك في ساحة النجمة تستعد للاحتفال بتكريسها غداً السبت ايذاناً بوضعها في الخدمة الطقسية بدءاً من الاحد 12/12/2010 لتستقبل المؤمنين وتحتفل بالقداديس والاعياد وتقيم الافراح والاتراح على مدى ايام السنة، بعد انتهاء المرحلة الثالثة امس من خطة ترميمها والتي تضمنت مجموعتين من الاعمال:

- الاولى: انجاز الكسوة الكاملة وتوفير التجهيزات من انارة وآلات صوتية ومقاعد وكراسي الكهنة وانشاء قبة الجرس الجديدة.

- الثانية: بناء ردهة الاستقبال والدار الداخلية والاروقة ومكتب الكاهن وتجهيز الحديقة الاثرية.

حديث وتقليدي

حلّة قديمة – جديدة ترتديها الكاتدرائية اليوم بحيث يندمج الحديث في اطار التقليدي، ويتآخى اسلوب القرنين الماضيين الشرقي مع حداثة بدايات الالفية الثالثة. كل شيء تقريباً تغيّر داخل الكنيسة: الحجر الرملي تمّ قشطه، وبلاط الرخام الرمادي يكسو الارض، وثريات بغاية البساطة تتدلى مكان ثريات الكريستال القديمة، فيما غاب الايقونسطاس الذهبي والهيكل الرخامي المحفور والمزخرف بعدما كانا يزينان صدر الكنيسة لتحل مكانهما جداران واربع قواعد رخامية تبرز حائط الهيكل القديم حامل الرسوم الجدارية التي تعود الى نحو مئة عام.

ويقول المهندس ناجي عاصي من “مكتب صباغ – عاصي للهندسة” الذي وضع التصاميم الجديدة لمشروع الترميم ويشرف على تنفيذه: “لقد اردنا ان نبرز جمال البناء القديم وعراقته واصالة الحجر في مقابل اعتماد خطوط البساطة في العناصر الجديدة المضافة مثل المذبح والهيكل والمقاعد وادوات الانارة وغيرها. وهذا ما انعكس تكاملاً على الكنيسة التي ارتدت طابعاً حديثاً وابرز تراثها في آن واحد”. في جولة على الكاتدرائية برفقة الوزير ميشال فرعون الذي كان يتفقد الاعمال، بدا كل شيء جديداً في داخلها، والابرز الهيكل المفتوح الذي ازال الحاجز بين المصلين والكاهن، وحلت مكانه اربع قواعد من حجر الرخام تحمل ألواحاً زجاجية بارتفاع 1,20 متر وعرض 80 سنتيمتراً، علقت عليها ايقونات تمثل يسوع حاملاً الانجيل، ووالدة الله حاملة الطفل يسوع، وشفيع الكنيسة النبي ايليا وفي الاسفل رسم الكاتدرائية، ويوحنا المعمدان، رسمتها ايدي الراهبات الكرمليات البيضاء. ويقول عاصي ان “هذه الطريقة في عرض الايقونات حيث تظهر معلقة في الهواء ومن دون اي زخرفة حولها، تعتبر الحد الاقصى الذي يمكن ان تصله الهندسة في ابراز الطابع الديني الخالص للايقونات واظهار اهميتها بعدم وجود المادة”.

وأقيم خلفها في الوسط مذبح جديد من الرخام الابيض، وعلى الارض اعيد رسم النجمة الهندسي والخطوط السوداء والبيضاء التي تحدد طريقة تنقل الكهنة والمطارنة تماماً كما كانت في السابق، وزنار من الحجر الاسود امام قواعد الايقونات التي تبدو وكأنها تطير في الهواء. والمذبح مفتوح الى الوراء على الجدار الاساسي للهيكل الذي لا يزال يحتفظ بالرسوم الجدارية التي يبدو انها تضررت كثيراً، وسيتم ترميمها في مرحلة لاحقة بطريقة علمية واسلوب فني ومدروس على ايدي اختصاصيين. وعلى جانبي الهيكل استحدث جداران رخاميان سيغطيان بأيقونات الرسل الاثني عشر (اثنتان مفقودتان) التي كانت موجودة على الايقونسطاس سابقاً، ويحضن احدهما غرفة التحضير للكاهن والثاني غرفة التجهيزات الصوتية والفنية.

القناطر والاعمدة الضخمة لا تزال قائمة وترتفع مزهوة بجمالها وأصالتها وعراقتها، وابرز قشط الحجر جمال النقوش والرسوم المزخرفة على تيجانها. وبين القبب العالية تتوزع قمريات صغيرة يدخل منها نور الشمس فيضيء الكنيسة وممراتها ويتسلل دفء اشعتها.

الزجاج الرخامي

ومن جديد الكاتدرائية ايضاً، المقاعد المصنوعة من الخشب والحديد المنقوش من تصميم السينوغراف الفرنسي الشهير ريشار بيدوتزي، والزجاج الرخامي المرتفع فوق جدران الكنيسة وواجهاتها الذي جاء ليملأ فراغ القناطر التي فتحت بعدما كانت مغلقة وتشكل جدراناً للدكاكين التي كانت تحوط الكنيسة في السابق، ويعتبر من “احدث التقنيات في استعمالات الزجاج” على ما يؤكده المهندس عاصي مضيفاً: “طرح البعض فكرة الزجاج الملوّن والرسم عليها لكنها ليست تقليداً شرقيا، واستبدلناها باللجوء الى استعمال الزجاج الممزوج بالرخام بسماكة نحو 8 سنتيمترات من صنع اسبانيا، قطّع بأعمدة رفيعة من اللون الاسود فرضتها تقنية التركيب (VEC) ليأتي الزجاج ممسوحاً مع واجهة الكنيسة من الخارج، وبهذه الطريقة تأمن دخول النور الى الكنيسة فيما بقي عقد الحجر ظاهراً وواضحاً”.

ومن السقف تتدلى ثريات مستديرة الشكل مصنعة محلياً من الحديد والالومينيوم، بتصميم مستوحى من شكل الشمعدان يعكس بساطة الاسلوب الذي اراد مهندسو المشروع اضفاءه، وبدت تمديدات التدفئة والتكييف “اوريجينال” بحيث تظهر فوهاتها الدائرية بشكل واضح، نافر وغريب على جدار الكاتدرائية.

برج الصليب

في الخارج، وبعدما ازيلت بعض الاقسام العلوية المحيطة بالكنيسة، اضيف صالون على الطبقة تحت الارض للمناسبات الاجتماعية واللقاءات الرعوية، جاء سقفه الداخلي من الباطون المسلح الظاهر واتخذ شكل الامواج ليتناغم مع القبب وعقد الحجر، ويشكل من فوق ارضية لفسحة قدمتها بلدية بيروت يلتقي فيها المؤمنون خارج الكنيسة وتطل على مزار سيدة النورية وعلى معالم وسط بيروت زرعت جوانبها بالنباتات والاشجار الخضراء، والى جانبه برج بطول 24 مترا يحمل في اعلاه صليبا محفورا في الحجر، لكن الجرس لا يزال في مكانه القديم في القبة لجهة ساحة الشهداء يبقى الصوت يودي الى كل الارجاء. واستخدمت في اعمال البناء تقنيات البناء الجديدة التي تأخذ في الاعتبار الدفاع في حال حصول هزات ارضية.

وللآثار المكتشفة في عقار الكنيسة مساحة خاصة ستتحول الى متحف دائم ومفتوح تعرض فيه المعالم الاثرية الرومانية من حدائق وجدران واعمدة من بيوت الاثرياء الفخمة ومنطقة صناعية وغيرها عثر عليها فريق من المنقبين برئاسة الدكتورة منتهى صاغية.

النباتات والزهور لن تغيب ايضا عن محيط الكنيسة. فمن ناحية الجدار الذي يفصلها عن كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الارثوذكس، غرس شجر السرو الاخضر “لتلطيف العلاقة بين الطائفيتن” على ما يؤكده عاصي. وفي الباحة الخارجية شجر الغار الذي يبقى اخضر على مدار السنة اضافة الى زهرة البيغونيا بلون الفوشيا وشجرة الفتنة التي تعطي اللون الابيض، علما ان اللونين مألوفان في بيروت. وامام المدخل الرئيسي لناحية ساحة النجمة، غرست شجرة زيتون لمعانيها المتعددة التي تشير الى العمر الطويل والصلابة والاخضرار الدائم.

وختم عاصي: “أحببنا ان نكتب قصة المشروع من خلال تصميمه. بدأ ترميم الكنيسة عام 2003 على يد مهندسين ينتمون الى حقبة معينة، وبعد 50 سنة ستحمل في طياتها المعمارية دلائل عن التحولات والتعديلات التي طرأت عليها بعد الحرب والترميم الجديد الذي خضعت له. انه تعليم تربوي وتثقيفي للجيل المقبل.

قديمة وجديدة

تعتبر كاتدرائية النبي الياس من اعرق الكنائس في بيروت ويجاوز عمرها الـ 286 سنة والبداية كانت عام 1724 حين تم تشييد كنيسة صغيرة، ثم بنيت قربها كنيسة اكبر عام 1736 دعيت “كنيسة الآباء”، وعلى انقاضها شيد المطران اغابيوس الرياشي عام 1849 الكنيسة الحالية التي تميزت بالجمع بين تناسق الهندسة البيزنطية ورونق الزخرف الشرقي وتتميّز بعقد الحجر الذي تلتقي اجزاؤه حول قمرية كبيرة للاضاءة الطبيعية، علما انه لا يوجد له مثيل في بقية الكنائس والجوامع. عام 1934 تعرضت لخطر الهدم من اجل انشاء شارع باتجاه ساحة البرج انطلاقا من ساحة النجمة، لكن الاستملاك لم ينفذ، واعيدت الكاتدرائية الى الابرشية عام 1994. لم تسلم الكنيسة من ويلات الحرب التي عصفت ببيروت بين عامي 1976 و1990 فتعرضت للهدم والخراب والنهب والسلب. وبعد استتباب الامن والانتهاء من الاشكالات القانونية والعقارية مع بلدية بيروت وشركة “سوليدير” التي كانت تسبب عائقا امام اعادة بنائها وتأهيلها، شكل مطران بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الكاثوليك يوسف كلاس لجنة تنفيذية لترميمها برئاسته وعضوية ريمون عودة، ميشال فرعون، نعمة طعمة، هاني مكتف، بيار نعمة، جورج نور وموريس صحناوي. واعتمد ايلي بيار صباغ مهندسا لمشروع الترميم الذي بلغت تكاليفه نحو ثلاثة ملايين دولار، وقد نفذ على ثلاث مراحل بدأت عام 2003.

الاحتفال الاول الذي ستشهده الكاتدرائية بعد انتهاء اعمال الترميم احياء جوقة جامعة سيدة اللويزة لريسيتال ميلادي، الثامنة مساء السبت المقبل 18 كانون الاول الجاري عله يكون ميلادا لوطن يعمه السلام والوفاق.