Lebanon hosts Ahmadinejad and Erdogan – A comparative analysis

(as-Safir & ash-Sharq al-Awsat, November 26, 2010)

From as-Safir:

يستحقّ رجب طيب اردوغان الاستقبال الحافل الذي لقيه في لبنان، سواء في عكار ام في صيدا، بالاذن من الاخوة الأرمن الذين رفعوا في وجهه لافتات التنديد. فالرجل قامة سياسية محترمة وزعيم دولي من المستوى الرفيع، ورجل مواقف صريحة لها كل التقدير، في منطقة يتلطى معظم زعمائها وقادتها وراء التعسف الذي تمارسه اسرائيل والفجور الاميركي الذي يفرش آلته العسكرية في ارضها وبحارها وسمائها.

لكن هذا الاستقبال يستدعي التوقف عنده باهتمام واستغراب، عندما يفرط اللبنانيون في مشاعرهم «الجياشة»، ليس ترحيباً فقط بالضيف التركي الذي كان يستأهل استقبالاً وطنياً شعبياً جامعاً، على قدر المواقف الجليلة التي أطلقها ويطلقها تجاه القضايا العربية والقومية، بل لأن استنفار الهمم على هذا المستوى من فئة لبنانية معينة، انما يضمر في طياته الرد على فئة أخرى استقبلت قبل فترة زعيماً آخر بنوع من الإفراط ايضاً.

وقد ظهر ذلك واضحاً في فلتات بعض الألسن والشعارات والمشاعر والتعابير ايضاً، من «خوش امديد» الى «خوش جالدينيز» (أهلاً وسهلاً بالفارسية والتركية)، وهو ما استفز كما يبدو فئة لبنانية ثالثة عبّر عنها بيان «حزب الكتلة الوطنية» الصادر في صحف الأمس، والذي رفض صراحة ما اسماه «الاصطفافات اللبنانية وراء ايران وتركيا، وكأن زيارة اردوغان هي الرد الموازن لزيارة الرئيس الايراني»، مضيفاً ان «كل هذه التصرفات غير المقبولة دلالاتها الاستقواء والارتهان». وهذا ما حمل بعض خبثاء السياسة الى السؤال عمن سيستدعي المسيحيون لاستقباله في لبنان بإفراط رداً على الفئتين الاولى والثانية، وبعبارة (welcome) او(bienvenue).

بالطبع ان الاصطفافات اللبنانية وراء الخارج ليست جديدة ولا مستحدثة مع زيارتي الرئيسين الايراني والتركي الى لبنان. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر يعيش لبنان في ظل الحمايات الخارجية للطوائف القلقة دائماً من بعضها البعض. ويتندر بعض اللبنانيين بأن إحدى الطوائف التي لم تنل نعمة الحماية في ذلك الزمان لجأت الى إحدى القنصليات التي تمثل دولة كبرى سعياً وراء ذلك.

حتى ان استقلال لبنان عام 1943 قام على معادلة «لا شرق ولا غرب»، وهي التسوية الشهيرة التي عقدها بشارة الخوري ورياض الصلح. لكن «اللبننة» لم تنجح في تحقيق استقلال حقيقي، فبقيت «الأم الحنون» شعاراً للمسيحيين والعروبة شعاراً للمسلمين، الى ان انفجرت هذه الصيغة أكثر من مرة وكلفت لبنان الكثير.

والمشكلة ان اللبنانيين يعرفون المرض لكنهم يرفضون التداوي. فالنظام السياسي القائم على الطوائف وحصصها سيبقي لبنان غارقاً في عصر الحمايات والنكد الطائفي المتبادل. ومن العبث التفتيش عن وطن ومواطنين في ظل هذا النظام، وستظل الطبول تقرع فئوياً لأي زائر، مهما دنا كعبه او علا، لأن المشكلة ليست في الزوار الذين ينجزون المشاريع مشكورين في لبنان، بل في اللبنانيين أنفسهم الذين يرفضون التحول الى مواطنين.

وبانتظار الزائر الجديد، «خوش جالدينيز» بالطيب أردوغان.

A poster in Beirut during the Ahmadinejad visit

From ash-Sharq al-Awsat:

لا يختلف اثنان على أن زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان نجحت، حتى قبل وصوله في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. فوسائل الإعلام المحلية الإقليمية والدولية جعلت من مجرد فكرة وقوف نجاد على أراضي الجنوب اللبناني حدثا تاريخيا ذا أبعاد استراتيجية ومستقبلية. ولا شك أن الترحيب الذي لاقاه نجاد، إن كان على الصعيد الشعبي أو الرسمي، لم يشهده لبنان إلا خلال زيارة بابا روما يوحنا بولس الثاني. فالحشود «الشيعية» ملأت وقتها الطرقات، من مطار رفيق الحريري الدولي حتى أبعد قرية في الجنوب اللبناني، تماما كالحشود الرسمية التي تهافتت إلى القصر الجمهوري في بعبدا لاستقباله وإلقاء التحية عليه. وكان وقتها مفاجئا حضور رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل، ووفود تيار المستقبل التي تصدرها رئيس الحكومة سعد الحريري.

نجاد وصل حينها على وقع التهديدات الإسرائيلية وتحذيرات قوى إسلامية متطرفة. حتى الإسرائيليون حينها وعلى الحدود الجنوبية مع لبنان أطلقوا له أكثر من ألفي بالون بلون العلم الإسرائيلي «استنكارا» لزيارته.

اليوم، وبعد شهر ونيف، يغادر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لبنان، ولا يسع المراقبون إلا المقارنة بين زيارة الزعيم الشيعي نجاد والزعيم السني أردوغان. فمنظمو زيارة الضيف التركي نجحوا عن قصد أو عن غير قصد في ربط الزيارتين ببعضهما بعضا، وإعطائهما الصبغة المذهبية، خاصة من خلال مظاهر الاحتفاء التي كانت مشتركة في معظم الأحيان. فـ«خوش آمديد» التي تعني «أهلا وسهلا» بالعربية ترجمت اليوم إلى التركية «خوش غالدينيز»، والاحتفالات الشعبية التي شهدتها الضاحية وقرى الجنوب المحسوبة شيعيا قابلتها وفي الزيارة «الأردوغانية» احتفالات شعبية في مناطق عكار الشمالية وصيدا المحسوبة سنيا. وحتى الأناشيد والأغاني التي نظمت للضيف الإيراني، والتي رافقتها أغان حزبية لحزب الله، قوبلت بأناشيد تيار المستقبل وببعض الأغاني التركية مع أردوغان.

أما المفارقة فكانت أن الأحداث الأمنية التي تخوف منها اللبنانيون خلال زيارة نجاد حصلت في زيارة أردوغان.. فالمظاهرة الأرمنية الحاشدة المنددة بزيارة الزعيم التركي تحولت إلى إشكالات كبيرة بين المحتشدين وقوى الأمن. إشكالات لم تعرفها زيارة نجاد التي مرت بسكينة وهدوء وحتى بترحيب الشارع السني المعارض الأول للسياسة الإيرانية في لبنان. كما أن مقاطعة وزراء المعارضة لحفل استقبال أردوغان على أرض المطار طرحت أكثر من علامة استفهام، على الرغم من تأكيدات قوى 8 آذار على ترحيبها المطلق بالزعيم التركي الذي وصفته بـ«الرجل التاريخي» نظرا لمواقفه، لا سيما في ما يتعلق بموضوع إسرائيل. يذكر أن أمين عام حزب الله حسن نصر الله كان قد وصف تركيا بأنها أصبحت أكثر عروبة من العرب.

ويعتبر أستاذ التاريخ واللغة التركية في الجامعة اللبنانية الخبير في الشأن التركي الدكتور محمد نور الدين أن «الدور التركي يقتصر حاليا في لبنان على النصح والإرشاد من عواقب الفتن، خصوصا أن تركيا تسعى جاهدة للبقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف. فهي ومنذ البدء تعتمد سياسة غير عرقية أو دينية أو مذهبية، وكل مسعى اليوم من اللبنانيين لتصوير الزيارة بعيدا عن هذه المنطلقات التركية سيكون إفشالا للدور التركي، وأردوغان لن يكون سعيدا بأي محاولات من هذا النوع». وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» قال نور الدين «مجرد السعي لضرب صورة تركيا العلمانية التي تقف على مسافة واحدة من الجميع يعني ضربا للدور التركي الفاعل في المنطقة ككل. لا ننكر أن هناك مساعي لبنانية للمقارنة بين الزيارتين، وأن منظمي زيارة أردوغان استوحوا الكثير من ترتيبات زيارة نجاد، لكن على الكل أن يعي أن الدور الإيراني في لبنان يختلف بـ360 درجة عن الدور التركي».