Cinema – Malas on new cultural and social challenges

(as-Safir, December 22, 2010)

عاد المخرج السينمائي محمد ملص (1945) أخيراً من «مهرجان الفيلم العربي» في برلين، بعد تظاهرة استعادية لمجموعة من أفلامه توزعت على خمس أمسيات. وقد كان مستثاراً للحضور والجمهور، كما قال لـ«السفير»، بل إن ذلك قد أخرجه من شعوره باليأس من الوضع الراهن للسينما، على حد تعبيره.

التظاهرة صادف توقيتها مع «مهرجان دمشق السينمائي» الأخير، «الحافل» بدوره بغياب ملص وزملاء سينمائيين بارزين، وبكلام بات نوعاً من الفلكلور حول مشكلة هؤلاء السينمائيين مع المؤسسة العامة للسينما في سوريا.

«لكن مقابلة المخرج نبيل المالح (أنظر «السفير الثقافي» 3 كانون أول/ ديسمبر 2010) أشعرتني بالحزن» يقول ملص، ويضيف «مع الحزن كأنني شعرت برغبة أن أتحدث معك بسخرية تشفي القارئ في مواجهته لكل ما يحيط بنا من أحوال. وخاصة حين تكون القضايا المسيطرة على الإنسان في الوقت الحالي أكبر من السينما وأكثر مصيرية».

لكن سرعان ما تغيرت وجهة الحوار «لقد استأصلت الرغبة بالسخرية حين سألتني ماذا أفعل، واضطررتُ أن أروي لك عن ما أفعله كل يوم من كتابة، سواء في مشروع الرواية أو المفكرات»، يقول ملص، وسرعان ما يعود إلى مقابلة المالح «الحزن الذي تركته المقابلة في نفسي لم يستخرجني من سخريتي فقط، بل حتى من النظرة غير اليائسة».

هل هو حوار عن الأمل إذاً؟ ربما. فقد كانت الإطلالة على أمطار دمشق العاصفة في ساعات الصباح، من مكتبه في الطابق الأخير، والمطل على المدينة، وأحلامها، توحي بشيء منه. وقد بدأ الحديث من سؤال حول عادات المخرج في ساعات الصباح الأولى.

أكتب في مفكرات سينمائية بشكل مستمر منذ العام 1968، والآن لدي كتاب للنشر بعنوان «مذاق البلح»، وهو عبارة عن مختارات من مفكرات متعددة، منها نصان من «مفكرة موسكو»، وآخر من «مفكرة برلين» بعنوان «سينمائيون بالبيجامات»، يتحدث عن تجربة مونتاج فيلمين تم تنفيذهما مع صديقي قيس الزبيدي في بيته في برلين. ومنها نصوص من «مفكرة دمشق» بعنوان «العطالة» . وأشتغل في الوقت الحاضر على مفكرة «سينما موءودة» تتحدث عن حياة سينمائي في سوريا في الفترة ما بين القدوم من الدراسة سنة 74 و81 ، قبيل تحقيق فيلم «أحلام المدينة». بالإضافة إلى أنني أعمل على رواية جديدة عن الحب. أقضي صباحي دائماً في الكتابة اليومية، وهي عادة استمرت منذ العام 68 إلى منتصف التسعينيات، بينما تناثرت الكتابة بعد ذلك، إما في مشروعات سينمائية أو بحكايات متفرقة. كذلك أشير إلى أكثر من سيناريو روائي ووثائقي جاهزين للتنفيذ تمت كتابتها في العامين الماضيين بعد إنجاز فيلم «المهد» وفيلم «محارم!».

ما المشكلة في عدم تنفيذ تلك الأفلام؟

المشكلة دائماً، وخصوصاً هذه الأيام، هي الإنتاج والتمويل، فمن الواضح تماماً أننا نعيش في مرحلة عاصفة تتغير فيها الاحتياجات والموضوعات واللغة السينمائية، وبالتالي كما يبدو من التجارب السينمائية العربية المختلفة، أن مشاريعنا تواجه صعوبات إنتاجية حقيقية، ويغيب بشكل كامل الطرف العربي في تحقيقها، باستثناءات قليلة ونادرة ظهرت في الفترة الأخيرة على صعيد صناديق الدعم التي أحدثت مؤخراً في العالم العربي، والتي تشبه الصدقة أو الزكاة، بدلاً من الإنتاج والتبني لهذه المشروعات. ودعني أعتبر أن هذا الكلام أشبه بمقدمة للحديث عن السينما في سوريا.

هل مشكلة الإنتاج حديثة وراهنة؟ ألم تكن موجودة دائماً؟

إن التغيرات السياسية في العالم التي أحدثت قطباً أحادياً ليرتع ويلعب بالعالم على هواه، والتطور التقني لوسائل الاتصال وتبادل المعلومات والانقلاب الجذري بانتقال الصورة إلى الرقمية وانعكاسات ذلك على السينما كصناعة وتجارة وإنتاج وكثقافة، أحدث في العالم ككل وفي العالم العربي أيضاً، أوضاعاً وحالات اجتماعية واقتصادية، بل إنسانية، واحد من مظاهرها الانكفاء الاجتماعي، وتضاؤل، إذا لم نقل تراجع، الفضول المعرفي واللجوء للوسائط الإعلامية للاكتفاء بالمعلومة السريعة بدلاً من الثقافة، بديلاً عما كان سائداً قبل هذه التغييرات وقبل هذا التطور. وقد أصاب ذلك السينما كأداة ثقافية وبدأ يأخذها للانسجام مع هذه المعطيات. أضف إلى ذلك انحسار الحراك المدني والاجتماعي وانكفاء الفرد على نفسه، وعلى الأخص في البلدان العربية التي لم تمسك بعد بالعلاقة مع هذه التطورات، ما أفقد هذه المجتمعات الحيوية والتجدد وغيب المعطيات والأفكار وأطاح بالحركات الاجتماعية التي تعتبر الملهم والدافع للنهوض والتي تعتبر السينما واحدة من مراياها. بهذا المعنى تعتبر مشكلة الإنتاج السينمائي قديمة واكتسبت بعداً جديداً يزيد من صعوبتها ويحولها اليوم إلى مشكلة أبدية وسرمدية.

لذلك، ونتيجة لهذا أيضاً تتعثر الفرص في التمويل، وتغيب الحاجة لدى الآخر لتمويل مشاريع تنتمي لبلدان لا تشكل ثقافتها بالمعنى النقي للكلمة أي اهتمام، ولا تشكل سينما هذه البلدان سوقاً لها، ويبدأ اللهاث لمشاريع الأفلام التي تستجيب لأطروحات الحاجة الراهنة لثقافة سياسية سطحية تتلاقى مع الأحداث اليومية العابرة. وخاصة أن سينما هذه الاحتياجات قد عثرت على الأم التي ترضعها، المهيمنة كلياً على الأجيال الجديدة التي نشأت في هذه الأجواء الجديدة والتي تمثلها السينما الأميركية. ولا يخفى أن السينما الأميركية بتجاربها وخبرتها العريقة وبموضوعاتها المثيرة وإمكانياتها التقنية والفنية اللا محدودة، تتماشى مع احتياجات هذه الأجيال التي تفتقد أي ثقافة أو حراك اجتماعي. السينما الأخرى في ظل هذه الأجواء انتقلت إلى الهامش الذي يظهر حيناً ويختفي أحياناً أخرى.

هل ينطبق ذلك على سوريا، أم لأزمة الإنتاج والتمويل أسباب أخرى؟

لسوء الحظ فإن الوضع السينمائي في سوريا يواجه أسئلة ومشاكل باعتباره حالة عقيمة وخاصة جداً وقد لا نجد لها مثيلا في بلدان أخرى. وهذه المشاكل هي أساساً كما هي مشاكل هذا المجتمع الأخرى. مشاكل تعتبر خارج السياق التاريخي للتطور.

نحن لم نواجه بعد أسئلة السينما على صعيد عملي! وأقصد أننا قبيل التغييرات التي تحدثنا عنها وقبيل التطورات التقنية، لم نكن طرحنا أياً من مشاكل الثقافة وعملنا على مواجهتها بشكل عملي لذلك بقي وضع السينما في سوريا مختلفاً كلياً عن هذه القراءة.

السينما في سوريا لم تحدث بعد كسينما. والذي جرى إنما هو تحقق عدد من أفلام، وهي أفلام متناثرة في الزمان ومتناثرة في الموهبة والإمكانيات. ولكي تكون السينما جزءاً من هذا الاستعراض التاريخي، ولكي تتأثر بوضع السينما في العالم، وهذا ما كان يطمح له الرواد السينمائيون في سوريا، ونحن من بعدهم وعلى خطاهم، فقد كان علينا أن ننجح أولاً بتحول الإنتاج المتناثر إلى وضع سينمائي دائم ومستمر وكثيف. ولذلك بقي هذا الطموح خارج السياق التاريخي، بل قبله ووراءه، بل في مؤخرته.

قصّاب بمثابة ناقد

لقد أحزنني كثيراً على سبيل المثال، أن يروي سينمائي مرموق، وحرفي ممتاز، وهو في الرابعة والسبعين من العمر، الصعوبات والمواجهات والمشاكل والاتهامات التي تواجهه اليوم، والتي هي ذاتها التي واجهته دائماً وأخذت عمره، ولم يختلف فيها إلا كونها ازدادت شراسة. فقد أثار الحديث مع نبيل المالح الحماس والرغبة بعد سنوات من الزهق وفقدان الأمل، الحماسة لقول أشياء تجعل من هذا اللقاء أن لا يكون كعاصفة عابرة، بل تأكيداً على أنها لسان حال السينمائيين ذوي التجربة والخبرة، والذين حققوا لهذه المؤسسة السمعة والتقدير ليس في سوريا فقط بل بين الأفلام التي تتحقق في بلدان عربية، وتقديراً خاصاًً في الكثير من المهرجانات والنقد السينمائي في الغرب.

يروي المالح بصدق شديد الأساليب التي تلجأ إليها الإدارة للحيلولة دونه والسينما التي يريدها، ويعدد المواصفات التي يتم من خلالها اختيار الجهات الرسمية للمدير الذي يمسك بالسينما، ليس سهواً بل بقصدية، فيطابق بينها وبين المدير العام الحالي، فلا يرى فيه إلا ما يحول دون تحقيق هذه السينما. وأنا هنا أشير إلى اللقاء الذي أجرته «السفير» مع المخرج نبيل المالح. فكم عمراً يحتاج السينمائي في سوريا ليبدأ في مواجهة المشاكل التي تدخل في السياق الطبيعي للسينما حتى ولو في بلد متخلف، أي المشاكل التي ترجع للسينما ذاتها وليس خارجها. وبالإضافة لاتفاقي مع نبيل المالح في ما قاله، فأنا أوكد أن ما واجهه ليس أمراً يخصه بل هو أقل بكثير مما يواجهه حتى اليوم أي سينمائي حقيقي في سوريا. وأستطيع القول، ولدي من التجربة والممارسة التي لا تقل عمراً بكثير عن تجربة المالح، إنه لم يقل كل شيء، وأن ما واجهه غيره من السينمائيين أكثر بكثير مما ذكر. وربما العناوين التي أشار إليها، كالنفاق والكذب والاحتيال والادعاء، هي التي يندرج تحتها الوضع السينمائي ككل.

هناك حالة غريبة في هذا الوضع السينمائي. لقد أحسست حين كنت أسأل في كل المرات التي واجهت بها جمهوراً ونقاداً وسينمائيين في بلدان غير عربية، أني حين أشرح لهم حال السينما في سوريا، فإنها تبدو لهم غير مفهومة، وفي كثير من اللحظات كانوا يجدون أنفسهم أمام حالة يصعب تصورها. فالسينما في سوريا بعد أن تلقت المؤسسة العامة للسينما الضربة القاصمة عام 72، سارت على منوال وحيد هو «شخصنة» المؤسسة بمركزية شديدة لكل نشاطاتها وفعالياتها. بحيث يكون كل ما يتعلق بالسينما بيد شخص واحد. وقد يكون هذا الشخص قصاباً كما كان يوماً ما، أو مستورداً من النقد السينمائي الإعلامي في التلفزيون، وأحيانا تستعيره من مخرجي الاستديو العسكري، ليمسك بالسينما ما لا يقل عن عشرة أعوام، وعلى هذه الحال باعتبار المؤسسة العامة للسينما هي كل السينما بعد هروب القطاع الخاص للتلفزيون، ارتسمت السينما في سوريا دائماً على مقاس وحجم هذا الشخص. وهكذا بثلاثة من هؤلاء المدراء، يهدر عمر السينمائيين وهم يحاولون أن يخرجوا عن حجم ومفاهيم وأفكار هذا المدير أو ذاك، بدلاً من هدره في السينما ذاتها .

ربما اختار المالح أحياناً اللجوء إلى الوسائل التي تحدث عنها، كالتوجه إلى رئيس الجمهورية ، لكنه بالتأكيد لا يمكن أن يكون قد نسي أننا كسينمائيين، وهو من بيننا، أننا منذ أكثر من ثلاثين عاماً قد عقدنا الندوات الكثيرة، واقترحنا المشاريع العديدة، وأننا كتبنا الرسائل والمقالات التي لا تحصى… ولم يستجب لندائنا أحد. لذلك لا غرابة حين أخرج السينما في سوريا من السياق التاريخي الذي تعيشه في بلدان أخرى.

لقد قرأت الكثير من التعليقات على هلوسات المدير العام كلما تربع وراء عدد من الميكروفونات أو أمام كاميرا التلفزيون ليعيد ويكرر المعزوفة الوحيدة التي يتقنها والتي يكررها ذاتها بالحرف، في اتهامات هو الذي فبركها وشارك في صناعتها في محاولاته الإساءة للسينمائيين الذين لا يتفقون معه ولا يقبلون أن تكون السينما مشخصنة وعلى قياسه هو فقط. وكما عبر هؤلاء الذين قرأوا أو استمعوا له بأنهم يشعرون بالملل والزهق، فأنا أيضا قد قرفت من هذه المعزوفة البائسة والمقيتة، والتي لا علاقة لها بالسينما. مرة أخرى أعود إلى المالح، وأتحدى معه أن يقيم هذا المدير أي حوار أو ندوة حول ما يفهمه وما يدعيه من معرفة بالسينما. وأتساءل أحياناً؛ ترى هل يقرأ أي كتاب من الكتب التي يصدرها ويضع اسمه رئيس تحرير لها؟ وإلا كيف يصدرها وهو يناقض في أقواله كل ما كتبه هؤلاء العظام في هذه الكتب. أتساءل اليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، هل يراد في هذا البلد أن تكون هناك سينما سورية أم لا؟ أريد أن أتوهم ولو مرة، بأن الدولة تريد أن تكون هناك سينما بالمعنى الذي تسير عليه دول صديقة ومجاورة كإيران وتركيا، أو بلد عربي كتونس أو المغرب. ترى ألا يتساءل أحد ما هو الشيء الذي يمكن أن يساعدها في تحقيق هدفها هذا. ألا تكفي تجربة أكثر من ثلاثين عاماً لاكتشاف أن هكذا مركزية وشخصنة لن تحققا هذا الهدف.

نداء للتغيير

ما هي البدائل برأيك؟

إسقاط المركزية مفتاح أساسي وأولي لبدء تصحيح الوضع السينمائي. إن إيجاد وضع يمكن أن تستعيد فيه السينما عافيتها يبدأ بهذا المفتاح لفتح الباب أمام كل السينمائيين، ليس لتحقيق الأفلام فقط، بل بالتجربة العملية معهم لتلقف الأفكار والمقترحات الأساسية التي يمكن لها أن تنشط الإنتاج والصالات والعروض.

هل المشكلة كلها تقع في شخص محمد الأحمد، كل حديثك يعود إليه؟

إن حديثي نداء لتغيير الشخص، كخطوة أولى لتغيير الأسس والنظم والقوانين الخاصة بالحياة السينمائية في سورية. لذلك كلمتي الأولى لوزير الثقافة الجديد كانت: «أنت الأمل الأخير بالنسبة للسينما!». كمرة أخيرة سمحت فيها لنفسي بالأوهام.

لكنني أرى أن الحل في خلق هيئات متعددة ومختلفة لكل منها مهامه الخاصة، والتي تسهم في مجملها بخلق حياة سينمائية، ليس في الإنتاج فقط. ففكرة المجلس الوطني للسينما التي دعونا لها، والتي عاش ومات سينمائيون سوريون وهم يقترحونها ويدافعون عنها، وما زال من بقي منهم على قيد الحياة يدافع عنها، لكن أحداً لم يصغ إليها. إحداث نظام الدعم السينمائي لأي مشروع يتقدم به مخرج سوري قديم أو جديد، ولا تريد المؤسسة الحكومية أن تأخذه كله على عاتقها، بحيث يكون هذا الدعم ليس وسيلة لتحقيق الفيلم فقط، بل لتشجيع المساهمات الخاصة سواء كانت خارجية أو داخلية وسواء كان هذا الدعم تمويلاً أو خدمات فنية. ولتشجيع انخراط الجهات الراعية، وجهات مختلفة حكومية وخاصة ذات مصلحة في هذه الرعاية.

أن يكون مهرجان دمشق السينمائي مهرجاناً حراً ومستقلاً عن المؤسسة العامة للسينما، بحيث يتحول ليس إلى ظاهرة دعائية، بل تظاهرة سينمائية حقيقية تستقطب السينمائيين بدلاً من نجوم الغناء والرقص ونجوم الدراما والتلفزيون. وأن تستقطب التظاهرة المنتجين والموزعين للتعرف على سينمانا وجذبهم لتسويق الأفلام السورية.

هيئة أخرى تتولى مهمة النهوض بالنقد السينمائي تؤسس لجيل يقرأ السينما بعقلية وثقافة نقدية حرفية، لا كما يقرأها نقاد التلفزيون، بل كما تحتاجها السينما. أي القائمة على احترام الأفلام التي يتم الحديث عنها، لكسر عدوى «الشخصنة» في النقد، وإلغاء حالة تحول النقد إلى استعراض دعائي وبيروقراطي.

ثم أن يكون للسينمائيين أنفسهم هيئة، لها دور أساسي في الإشراف وفي إدارة شؤون السينما.

تقول المؤسسة إنك دائم الهجوم عليها في وقت عملت أحسن أفلامك لديها؟

في البداية إنه من الصعب عليّ أن أقول إن الأفلام التي حققتها للمؤسسة هي أحسن أفلامي، فمم تشكو أفلامي الأخرى وفق النقد السينمائي الذي كتب عن هذه الأفلام، فما ينقص فيلم «المنام» الذي وصفته مجلة «بانوراما» السينمائية المتخصصة بأنه «جميل إلى درجة الخوف». أو فيلم «باب المقام» الحائز على جائزة لجنة التحكيم في المهرجان الدولي للفيلم في مراكش، والذي يصفه الناقد السينمائي الكبير سمير فريد بأنه «مواجهة مع التطرف والأصولية ونظرة ثاقبة للواقع اليوم»، أو فيلم «المهد» الذي لم يعرض بعد، وغيره من الأفلام. مم تشكو غير أنها بحريتها لم يكن من الممكن تحقيقها لدى هذه المؤسسة. يجب أن لا يتوهم أحد أن الأفلام الهامة التي تحققت في المؤسسة العامة للسينما هي أفلام تحققت بجهد المؤسسة أو إدارتها، بل بعظام هؤلاء السينمائيين وبجهدهم وموهبتهم. لكن الوضع يومها لم يكن بالسوء الذي يحوّل السينمائيين إلى لاهثين وراء الفرصة النادرة التي لا تقدَّم لهم، إلا إذا انخرطوا معها في تمزيق العلاقة بين السينمائيين، تمهيداً لعزل من لا يتماشى مع السياسة الشخصية. هذا التمزيق الذي اكتشف مأثرته المدير العام الأخير. فمن المعروف أن «أحلام المدينة» تحقق حين كان المرحوم الوحيد حتى الآن فتيّح عقلة عرسان، وهو الوحيد الذي كان معنياً حقيقة بالسينما في سوريا، ولحظ السينما قصف الله عمره حتى قبيل استكمال الفيلم. أما «الليل» فقد تحقق في مرحلة كان يدير المؤسسة المخرج مروان حداد، الذي كان يعتقد مع بداية إدارته أنه مع تحقيق فيلم قوي يثبّت حضوره وإدارته.

حاجة الجمهور

قلت إن ليس لدينا سينما بل أفلام؟ كيف تفرق بين المفهومين؟

أن تكون لدينا سينما يعني أن يكون لدينا إنتاج مستمر، وأن يكون هذا الإنتاج يماثل في كمّه الإمكانيات البشرية الموجودة. أن يكون لدينا الصالات السينمائية للعرض والتلقي والنقد بشكل مستمر. أن تكون السينما احتياجا اجتماعيا للناس. حينها، عبر هذا الإنتاج المستمر، نستطيع سنة بعد أخرى أن يكون لدينا سينما. كما هي الحال في مصر. لا يستطيع المجتمع المصري أن يعيش سنة بلا أي فيلم، فهذا سيسبب نقصاً في حاجة الجمهور. ويفرغ الصالات العديدة من عروضها، ويسبب عطالة لكثير من الشرائح التي تعيش على السينما. وأنا أريد أن أسألك؛ إذا لم ينتج أي فيلم سوري في العام، وكثيراً ما حصل ذلك، هل يتأثر المجتمع السوري لغياب الفيلم؟ بل قد يقول الناس إذا لم نحقق أي فيلم حسناً فعلنا.

أستطيع القول إننا حين ننتج فيلماً أو اثنين في العام تصبح المهمة أمام النقد أكثر صعوبة، لكنها تصبح أكثر ضرورة، لكن حين تكون عدوى الشخصنة قد انتقلت لكل شيء في هذا المجتمع، وصولاً إلى صانع الفيلم وناقده، فإن النقد يصبح مستحيلاً.

حال السينمائي السوري اليوم، ليس أن أفلامه تشبهه، بل صار هو الذي يتشبه بفيلمه، فالتماهي بين الفيلم وصانعه، يحول النقد إلى مسّ بالذات الخاصة بالمخرج، والذي نشفت عيونه وضاع عمره ليحققه. هذا المثال يشبه أي جانب نتناوله في وضع السينما ككل. ألا تلاحظ كيف يتصدى المدير العام وراء كمشة من الميكروفونات والكاميرات ليرد على أي حرف يتجرأ سينمائي سوري أن يقوله، وكأن الحديث عن المؤسسة هو مسّ بشرفه باعتباره متماهيا معها.

لماذا يتمحور السينمائيون حول المؤسسة؟ ألا يمكن العمل من دونها في ظل هذا الانفتاح على العالم، والانفتاح على التقنيات الجديدة؟

لم أتوقف عن العمل، على الرغم من أني خلال 14 عاماً لم أتعامل مع المؤسسة العامة للسينما. فأزمة السينما ليست محصورة بالمؤسسة فقط، بل بحال السينما في العالم في سوريا وفي العالم العربي. الحديث عن المؤسسة هو حديث ليس عن التمويل لتحقيق أفلامك، بل هو الحديث عن الوضع السينمائي والحياة السينمائية، أي الإنتاج والعرض والثقافة السينمائية والنوادي ودورات التأهيل والنقد. ربما السلطة هي التي أدركت ذلك قبل السينمائيين أنفسهم، فرهنت كل ما يمس الحياة السينمائية في يد المؤسسة، ورهنت المؤسسة كلها بشخص مديرها، مما جعلها حياة مقفرة وقاحلة.

بالطبع هذا يعني أن هناك القوانين التي ساهمت بانكفاء القطاع الخاص السينمائي الذي كان نشطاً قبل 40 عاماً، وعدم ظهور قطاع خاص بسبب تحول السينما في سوريا من خلال انكفاء الجمهور وغياب الصالات الحديثة وظهور قرصنة ال DVD، كل ذلك حول الفيلم إلى منتوج خاسر فلم يعد يتجرأ أحد على الإقدام عليه، فغاب التمويل المحلي خارج المؤسسة، أما التمويل العربي فهو رهن بسوقه، ففيلم يتناول بأفكاره وطموحه ومعالجته، ليس له سوق داخلي، سيجعل من مساحة هذا التمويل العربي مغامرة تحتاج إلى مغامرين في عصر تبدو فيه المغامرة جنوناً. أما التمويل الآخر، أي غير العربي، فبالإضافة إلى كونه رهن الأثر الكبير للسينما الأميركية، بدأ يشعر أنه بمنأى عن تمويل أفلام تنتمي لبلدان لم يعد يهتم بها إلا بجانبها السياسي، وهذا لا يمكن الاستجابة له إلا في ما ندر. فالسينما في أفريقيا التي قدمت عمالقة كبارا مثل سمبين عثمان وسليمان سيسي، وغيرهما ممن لم نعد نرى أفلاماً لهم إلا ما ندر. تعاني من المشاكل ذاتها، فالمشكلة تتعدى المؤسسة كمؤسسة للإنتاج.

(دمشق)