Siria, Samar Yazbek parla al giornale vicino a Damasco

Samar Yazbek

 

(as-Safir, 19 agosto 2

Da Parigi, la nota scrittrice siriana Samar Yazbek, che appartiene alla stessa comunità confessionale (alawiti) della famiglia presidenziale al-Asad, risponde da Parigi alle domande del giornale libanese notoriamente vicino al regime di Damasco. Segue il testo in arabo…

 لم تبدأ الروائية السورية سمر يزبك بالانضمام إلى حركة الاحتجاج مع بدء التظاهرات التي اندلعت في بلادها في منتصف آذار الماضي وحسب، كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، تكرر اسمها في غير اعتصام أو بيان أو مقال معارض. وحالما تحرك الشارع وجدت نفسها تندفع بتلقائية إلى بعض الأماكن التي تعج بالمتظاهرين وبالشهداء. راحت تكتب يومياتها هناك، التي أصبحت تالياً يوميات الشارع. هكذا يعود الكاتب، المثقف إلى وظيفته الأولى؛ شاهداً على عصر. – كيف تتابعين وتتفاعلين اليوم مع ثورة السوريين؟ كيف بدلت الثورة وأثرت في يومياتك؟ *لا أعرف إن كانت مفردة “التفاعل” تفي الحالة حقها، أنا سورية والحديث عن تفاعلي مع ثورة السوريين يعني انفصالاً حسب السياق اللغوي للسؤال. كانت الأحداث منذ بداياتها، وقبل حوالى خمسة أشهر مكاناً للعيش، جغرافيا مستقلة بحد ذاتها. قبل الانتفاضة، كانت الكتابة مكاناً للعيش، عندما بدأت حركة احتجاج الناس، تحولوا إلى مكاني الخاص للعيش. دائما هناك أمكنة غير ملموسة نعيش فيها. بعض البشر يقدرون على تحديدها والبعض الآخر يعيش فيها دون دراية. أظن ان كل يوم كان يمضي على حركة الاحتجاج موثق في عقلي وقلبي مثل كتاب محفوظ، لقد صارت تلك الحركة هاجسي الأول، وتراجعت كل الهواجس نحو مراتب متأخرة. أما كيف بدلت يومياتي، فهذا كان رهناً بتطور حركة الاحتجاجات، وبتجربتي ضمن هذا الحراك. بدأت ذات مرة أكتب شيئا عما شاهدته، وبعد أيام اكتشفت أني أدون يومياتي وحركاتي، فصارت هناك علاقة غريبة بين الكتابة والانتفاضة، اكتشفت فجأة أني وجدت ضالتي في الاثنين معاً، فأنا التي كنت أعيش فصاماً بيني وبين الواقع مفضلة التأرجح في عالم من ورق وكتب، وجدت ضالتي في هذا التطابق غير المسبوق بين ما أعتقده وأفعله، ووجدت أن يوميات الانتفاضة هي يوميات التخييل الذي مارسته في نصي، وكانت هذه المفاجأة التي أعادت بعض الروح للعلاقة حتى لو كانت باهتة مع فعل الكلمة ودور الكلمة، صارت الشخصيات من لحم ودم، ثم انتقلت الى الورق. هذا ما غيرته الانتفاضة في يومياتي، كنت أبتدع وأختلق الأيام في موازاة حركية لحركة الواقع، صارت اليوميات الحقيقية هي من يصنع الخيال، تغير نظام كتابتي، ونظام اللقاء بالناس، تغير كل شيء دفعة واحدة، وصارت حركة الناس في الشارع وكيف يتجهون وماذا يحتاجون وكيف تتحرك الانتفاضة، صار الاهتمام بتفاصيل ما يحدث لا علاقة له بالهم السياسي فقط، صارت هناك هموم إنسانية، لأن أخطر ما فعله النظام حين قرر شن حرب على شعبه، هو سلبه الناس الرحمة والتعاطف، هناك أطباء سجنوا، لأنهم أسعفوا جرحى، وهناك ممثلاث تعرضن لحملة تخوين لأنهن طالبن بوقف الحصار الغذائي عن درعا، مطلب مثل إيصال الحليب إلى الاطفال تحول إلى تهمة خيانة. كان التخريب الذي اشتغل عليه النظام لا يقتصر على القتل والاعتقال والملاحقة والتخوين والتشهير الإعلامي، بل تعداه إلى محاولة ضرب وحدة الشعب وتقسيمه، ليس بزرع فتنة طائفية، بل تعدى الأمر خطورة ذلك، إلى جهود حثيثة لتفريغ إنسانية السوريين، وهو ما فشلوا به فشلا ذريعا، كانت هناك بطولات وقصصا تتخطى حدود أن يكون السوري مؤيداً للنظام أو معارضا له. كانت ولا تزال حكايات عن التعاضد والتساند الإنساني، وعن وقوف السوريين رغم كل أشكال الاقتتال إلى جانب بعضهم، سواء في إنقاذ الجرحى وإيواء الهاربين من سطوة رجال الأمن وإيصال الغذاء، لقد كنت شاهدة على ذلك، وأجزم أن كل المحاولات الشيطانية لدفع البلاد إلى الهاوية الانسانية قد فشلت حتى الآن. العيش في الكتابة – هل تنظرين من زاوية الكاتب الذي يبحث في ما حوله عن مادة للكتابة، أم من موقع المعارض السياسي؟ *معارض، أم معارضة؟! قبل مئات السنوات فصل ميكافيللي الأخلاق عن السياسة، وهذا أمر أجده واقعياً جداً، فالسياسة شيء والأخلاق شيء آخر، ولكل منهما قواعده، لكن هذا لا يلغي بالضرورة ذاك. اكتشفت مبكراً من خلال تجربة العمل السياسي، عندما تربح السياسة تخسر الأخلاق المتعارف عليها كبنية جامدة للقواعد، هذه ليست قاعدة، هناك استثناءات ضعيفة، لذلك عندما أكتب لا أكتب من موقع المعارض السياسي. عفت السياسة منذ زمن، لكن عندما يلزم الأمر أن نعيش في مرحلة تاريخية تستوجب قول الحق، فإن سلاحنا الوحيد هو الكلمة، هنا تتقاطع الحالات، كتبت تحديداً من منطلق العدالة ووصف ما حدث على أرض الواقع، يعني لو رأيت فعلاً المتظاهرين يحملون سلاحاً، ويطلقونه على رجال الأمن، لكنت كتبت ذلك، الكتابة الآن ضمير. السوريون يقتلون ويعتقلون ويشردون، ويختفون من الحياة، وأجزم أن من العار أن ينظر الكاتب”ة” و المثقف”ة” الى الأمر بعين واحدة، هنا عيون تختلط، وتتقاطع، عين الكاتب. عين المعارض لنظام الاستبداد وإهانة البشر وترويعهم وهدر كرامتهم، لقد جلت في بداية الأحداث بين المدن ورأيت كيف هدرت كرامات الناس، وكيف استعبدوا، وكيف كانت ثورتهم أولاً وأخيراً على هذا الظلم والاستعباد، ومن هذه الزاوية أكتب، وكتبت. اختلطت عين الكاتبة بعين شاهدة الحق. لا أستطيع القول إن أرواح وعذابات الآخرين هي مجرد مادة للكتابة. الكتابة أيضاً هي مادة لعذابات الآخرين، ثم لا تنس واحدة من خصائص الثقافة السورية؛ أن غالبية المثقفين السوريين جاؤوا الى الأدب من منطقة السياسة، لذلك أظن أن هذا السؤال يشبه الحديث عن مكونات اللون الأبيض، لا نستطيع القول عندما نرى فستاناً أبيض: أين اللون البنفسجي فيه. أيضا الكتابة صناعة وأدواتها معقدة. لا أستسهل الكتابة، أعيش فيها، وأعرف أنها أصعب من أن يقال عنها جمل مثل: كتابة سياسية، كتابة انشائية،… – لطالما جوبهت بالتخوين وباتهامات بالعمالة أثناء هذه الاحتجاجات، ما الذي جعلك عرضة أكثر من غيرك لذلك؟ *بل في بداية الاحتجاجات، لأن هذا سبب مهم، فلو كتبت ما كتبته بعد مرور شهرين، وبعد أن صار السوريون بفضل دماء الشهداء يجتمعون علناً ويعارضون علناً، لاختلف الأمر. الأجهزة الأمنية التي فبركت كل تلك القصص ظنت أنها ستقتل البعض وتعتقل البعض الآخر، وتخون وتشوه صورة الكتاب الذين كانوا مع الانتفاضة منذ أيامها الاولى، ومن ثم سينتهي الأمر، هذا من جهة، من جهة أخرى إن وجود كاتبة تنتمي بحكم المولد إلى الطائفة العلوية، يشكل ضرباً لرواية السلطة، عن أن ما يحدث هو حرب السنة على العلويين، لذلك الحجة الوحيدة التي وجدوها لتبرير وقوفي إلى جانب المتظاهرين العزل المسالمين هو هذه الفبركات المضحكة، لكنها حقيقة حولت حياتي إلى جحيم في منطقة الساحل. سبب مهم أيضاً أني امرأة، واعتقدوا أن إطلاق هذه الشائعات كفيل بتخويفي وإسكاتي، خاصة في مجتمع متخلف مثل مجتمعاتنا. امرأة يعني مواطنا بالدرجة الثانية، وشائعة واحدة حسب ما ظنوا كفيلة بتحطيمها. لا أظن أن أجهزة الأمن والبعثيين في جبلة تصرفوا اعتباطيا عندما تم توزيع المناشير في موقعهم المضحك “فيلكا” الذي تعرف الناس كلها أنه تابع للأجهزة الأمنية السورية (لأن المناشير هذه وزعت في يوم المجزرة في مدينة جبلة حيث قتل فيها 11 شهيدا، وتم ترويع قرى الساحل عبر شاحنات بيضاء صغيرة، تجوب الطرق ويطلق منها مسلحون النيران باتجاه الناس العزل، للإيحاء بأن هؤلاء هم من (السنة) ولتبرير القتل الذي يقومون به، كما فعلوا في كل المدن السورية). كانت الناس خائفة ومذعورة ومهتاجة، وتوزيع المناشير في ذلك اليوم، زاد من نقمتهم وحقدهم عليّ بوصفي خائنة للطائفة، طبعاً أنا كنت بعيدة في الشام، ومن ذلك اليوم، لم أقترب من الساحل بالمطلق. التهديدات لم تعد تتعلق بأجهزة الأمن، التهديد صار يأتي من الناس العاديين. في إحدى المرات كنت أسير في وسط دمشق، ومن بعيد اتجهت سيدة نحوي، وعرفتها كانت واحدة من صديقاتي في مدينة جبلة، وحاولت الاعتداء علي، كانت تبكي وهي تتهمني بالخيانة وتحاول ضربي، لست حاقدة عليها، أنا متعاطفة معها، وأسامحها. الظرف التاريخي معقد، وأستطيع تفهم خوف الجميع ومن كل الأطراف. هناك كتاب ومثقفون أصدقاء هم في خط النار يعيشون في مناطق التوتر الطائفي؛ منذر حلوم، منذر خدام، منير شحود، نبيل سليمان…وآخرون. إنهم شجعان حتى يبقوا رغم كل اتهامات العمالة والتخوين. سقوط النخبة – هل تجدين المثقف السوري في موقعه الذي ينبغي أن يكون فيه إزاء ما يجري في بلاده اليوم؟ أي رسائل أرسلتها مشاركة المثقفين أو غيابهم؟ * في البداية وقف المثقفون على الحياد. قلة من مثقفي سوريا خرجوا دعماً للانتفاضة في بداياتها. ربما كانت المفاجأة كبيرة، بعد كل هذه العقود الماضية وغياب للحياة السياسية عن سوريا، وتهميش المثقفين، وقمع الحريات، كل ذلك كان له دور سلبي في عدم الانخراط المباشر منذ بداية الحركة، وكان لغيابهم مفعول سلبي، لكن هناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها؛ إن الشارع السوري كان متقدما على مثقفيه النخبويين. إن الذل الذي عاشه السوريون كان هو ما فجر الأحداث، هناك خط بياني صاعد لحركة الانتفاضة، حدث في غالبية المدن السورية وفي بلداتها الفقيرة والمهمشة والمعزولة، لكن في غالبية هذه الأماكن كانت مطالب الناس التي خرجت لها علاقة بشؤونهم المعيشية وتدبير أمور حياتهم، وتلخصت باستثناء الاختلاف الجغرافي وتفاوت بعض المطالب: بكف يد الأجهزة الأمنية عن حياة الناس، كان هذا هو مطلبهم الأول، لاحقا اختلفت الأمور بعد القتل والاعتقال، مثلا في مدينة بانياس كانت واحدة من مطالب الناس الأساسية كف يد البعثيين الفاسدين والأجهزة الأمنية عن التدخل في حياة الصيادين الفقراء، أخبرني أحد صيادي مدينة بانياس أنه يضطر لدفع أتاوة لأحد رجال الأمن، لأنهم كانوا يستولون على الميناء، هذا مثال بسيط عن مظالم كثيرة وقعت على الناس، عندما انطلقت الشرارة من درعا، كان السبب هو امتهان كرامات الناس. الأطفال الذين عذبوا، وأحدهم لا يزال معتقلا ومجهول المصير وعمره 13 سنة، وهو من عائلة أبا زيد الشجاعة التي قدمت الكثير من التضحيات، هو أمر يدخل في باب الكرامة، والذل الأسود الذي مارسه عاطف نجيب على هؤلاء الأطفال وعلى أهلهم الذين أهانهم، حتى ذلك الوقت، لم يطالبوا بإسقاط النظام، كانوا يريدون إصلاحات، كان هذا في البداية. الوحشية التي تصرف بها النظام مع شعبه، هي ما جعل الناس تخرج للموت غير هيابة. المثقفون لم يعرفوا ما يحصل، كانوا خائفين، لاحقاً انضم بعضهم إلى حركة الشارع، بعد أن صار القتل يوميا في سوريا، ومنذ أيام، خرجت تظاهرة للمثقفين، واعتقلوا بعضهم. لكن بقي الشارع متقدما عليهم، لقد سقطت مقولة النخبة، وسقطت مقولة الانقلابات، والعنف في الثورات، المثقف سيكون عليه أن يتعلم من شجاعة السوريين الذين يخرجون للموت كل يوم، ومن حركة الشباب الذين يعملون في السر لتستمر الانتفاضة، أولئك الشباب الذي يعيدون خلق الحياة، منهم بتقديم حياته، منهم بالتخلي عنها بطريقة ما، والتفرغ للعمل النضالي، هؤلاء الشباب “لجان التنسيق، اتحاد التنسيقات، وآخرون مستقلون” يشكلون بديلاً لحركة المثقفين التقليديين الذين دأبوا على مر التاريخ على رسم صورة التغيير، أغلبهم من الطبقة المتوسط المتعلمة. تعملت منهم أشياء كثيرة عن الحياة، بعيداً عن المقولات الجاهزة، وعالم الكتب، والخيبة التي كنا نعيشها في جيلنا، نحن الجيل الوسط، بين جيل قديم أغلبه من اليسار المحبط، وجيل جديد كان يبدو بعيداً عن الهم السياسي والإنساني، ولكن الواقع أثبت العكس. يدفنون موتاهم.. ويموتون – أعتقد أن الجميع يتحدث عن مفاجآت عثر عليها في حياة السوريين اليوم، ما أبرز ما فاجأك؟ * كانت عدة مفاجآت وليست مفاجآة واحدة، الأكثر أهمية بالنسبة لي، يتلخص في شجاعة السوريين المنقطعة النظير، الذين يخرجون للموت بصدور عارية، وقلب مفتوح، السوريون يصنعون أسطورة معاصرة، الناس الذين يعرفون أن كل واحد منهم مشروع موت، لكنهم يتركون بيوتهم، وينزلون الشوارع. أعرف أصدقاء كثرا، يودعون زوجاتهم وأولادهم، وأمهاتهم، ثم ينزلون الشوارع، يفعلون ذلك وكأنهم ذاهبون إلى ساحة معركة، رغم أنهم لا يحملون سلاحاً، وهذا أمر أؤكد عليه، في أول شهور الانتفاضة، كنت أنزل بين الناس، ورأيت بأم عيني، كيف يتظاهرون، لم يكونوا مسلحين، ولم يطرحوا أي شعارات ذات دلالات طائفية، أو تدعو إلى العنف، لا أنكر أن الطائفية موجودة في سوريا، وهو أمر إذا نفيناه نكون قد جاوزنا الحقيقة، فعقود طويلة من قولبة المجتمع السوري وانتماء أفراده الى الطائفة والدين والعائلة في ظل غياب حقيقي لمفهوم الدولة والمواطنة، لا بد أن يكون له دوره الكبير في تحويل المجتمع الى الطائفية، مع ذلك فإن حركة الاحتجاج رفعت سقف هذا المجتمع، ونبذت الطائفية، وطرحت شعارات وطنية، على الأقل هذا ما شاهدته بأم عيني، أما بالنسبة لما قيل عن أن المتظاهرين هم سلفيون، وخاصة التيمة التي رددها العديد من المثقفين فالحقيقة أننا نعلم أن النظام هو من اعتقل المعارضين العلمانيين، وكم أفواههم وأغلق كل جمعية مدنية ذات توجه عقلاني، وهو من غازل الإسلاميين وأطلق يدهم في المجتمع السوري. وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني. هناك فرق بين أن يكون دين المتظاهر مسلما، أو مسيحيا، وبين أن يكون متشدداً. الغالبية التي خرجت هي من الإسلام السنة، لاعتبارات أنها تشكل المكون الأكبر في التعداد السكاني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان الإسلام البديل الوحيد الذي كان أمام السوريين لانتماء وجودي حقيقي. التكبير الذي يعم سماء سوريا وجملة “الله أكبر” لم تراوح عند مكانتها الدينية، إنها دلالة مباشرة على الاستقواء بالأقوى من القوي، وعلينا إن كنا ديموقراطيين أن نقبل بامرأة محجبة كما نقبل بامرأة سافرة. هذه حرية شخصية، لكن هذا لا يعني، أنه لا مشكلات تنتظرنا إذا سقط النظام، وامتد هذا الشارع ليتحول إلى إسلام سياسي، هناك معركة أخرى على السوريين خوضها في طريق بناء الدولة الديموقراطية المدنية. الصبايا والشباب الذين التقيتهم من التظاهرات وخارج أطر التظاهرات، كانوا من العلمانيين، وقسم من المسلمين منهم، كانوا معتدلين، ولم يكونوا متطرفين، وهم، العلمانيين والمسلمين، يعملون مع الناس على الأرض، عندي هواجس من مرحلة ما بعد سقوط النظام، ولكن أثق بالتعددية السورية في حال وجود انتخابات ديموقراطية حقيقية. أيضا المفاجأة كانت في روح التعاون التي طغت على المشهد في الانتفاضة، أظن ان أهم مفاجأة هي اكتشافي روح السوريين المتسامحة، أجزم أن الانتفاضة صنعت ثورة أخلاقية فينا، حولتنا عن الصغائر التي كنا محكومين بها، باتجاه هدف واحد هو مقاومة الذل والظلم. يأتي الشباب، أقصد صبايا وشباب التنسيقيات والمستقلين الداعمين للانتفاضة، ليشكلوا أكبر مفاجأة لي، أرى في وجوههم ونشاطهم وجه سوريا الحقيقي، كانوا بمثابة الاكتشاف، أو الترياق الذي أنقذني من فكرة العدم التي كنت أسبح فيها، وتعلمت منهم أشياء كثيرة عن الحياة، وعن العدالة وأكسبتني أدواتهم الجديدة رؤية متطورة للانتقال بسوريا من بلد على عتبة الهاوية، الى بلد على حافة الانعتاق، إنهم والشعب الأعزل الشجاع ضمير سوريا الحي. هم ليسوا الناس الذين يخرجون للتظاهرات فقط، إنهم المحركون والملهمون لهؤلاء الناس والمدافعون عنهم والحريصون على استمرار ثورتهم، والذين يعملون بصمت وبالسر وبلا ادعاء، ويدفعون أعمارهم وشبابهم، ومستقبلهم، هؤلاء كانوا مفاجأتي الكبرى. الشجاعة التي أثبتها السوريون لم تكن تكفي فقط، عمل الشاب والصبايا على الأرض مع الناس وارتباطهم بهم كان ولا يزال مهماً، وسيبقى كذلك. النبل الذي رأيته بينهم كان لافتاً. النساء اللواتي اشتغلن في الانتفاضة وحاولن نقل الحقيقة الى الاعلام أثبتن شجاعة فائقة وثباتاً عنيداً. المفاجآت كثيرة والحديث عنها قد يطول خاصة أن هذه الانتفاضة السلمية تواجه أعتى نظام أمني في العالم العربي، وتواجهها أكثر الحالات صعوبة في التغيير، نتيجة الحالة الاقليمية السورية. السوريون الآن يموتون وحدهم في مواجهة القتل. يخرجون كل يوم، يموتون، يعود الأحياء منهم، وفي صباح اليوم التالي، يدفنون موتاهم، ويموتون، وهكذا… هل تريد مفاجأة أكبر من هذه؟ السوريون الآن أسطورة معاصرة. (باريس)